الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٤٥
والحق هو الثاني، لما عرفت من البرهان و عليه الحكماء غير المشائيين. و على ضوء هذا الأصل، إِذا كانت الحقيقة في مرتبة من المراتب ذات أثر خاص، يجب أن يوجد ذلك الأثر في المراتب النازلة، أخذاً بوحدة الحقيقة، نعم يكون الأثر من حيث الشدة والضعف، تابعاً للمؤثر من هذه الحيثية، فالوجود الواجب بما أنَّه أقوى و أشد، يكون العلم و الدرك و الحياة و التأثير فيه مثله. و الوجود الإِمكاني بما أن الوجود فيه أضعف يكون أثره مثله. و لأجل ذلك ذهب الإِلهيون إلى القول بسريان العلم و الحياة والقدرة إلى جميع مراتب الوجود الإِمكاني و قد أثبتوه بهذا البرهان و حكموا بصحته من طريق الكشف و الشهود، و يشهد الكتاب العزيز على صحة نظريتهم في مجال السريان العلمي و الدركي إلى جميع مراتب الوجود حتى الجماد[١].
و على ضوء هذا الأصل، تبطل نظرية الأشاعرة المخصصة للتأثير بالواجب سبحانه، و السالبة له عن سائر المراتب زاعمة أنه مقتضى التوحيد الأفعالي، مع أنه كما يتحقق بسلب التأثير عمَّا سواه يتحقق بتخصيص التأثير الإِستقلالي باللّه سبحانه و إرجاع تأثير الوجود في المراتب الإِمكانية إلى إذنه و مشيئته. و الثاني هو المتعين لما عرفت من البرهان.
إذا وقفت على هذه الأصول تقف على النظرية الوسطى في المقام و أنه لا يمكن تصوير فعل العبد مستقلا عن الواجب، غنياً عنه، غير قائم به، قضاءً لكون الفعل وجوداً إمكانياً، و الوجود الإِمكاني حقيقته التعلق و الصلة والربط. كما أنه لا يمكن إنكار دور العبد بل سائر العلل في آثارها قضاء لحكم الأصل الثالث من أنَّ الوجود، في أي مرتبة كان من المراتب لا يخلو عن تأثير ودخالة فيما يظهر منه من الآثار، أو يقوم به من الأفعال. فالفعل مستند إلى الواجب من جهة و مستند إلى العبد من جهة أخرى. فليس الفعل
[١] وقد أوعزنا إلى الآيات الناظرة إلى سريان العلم و إن أردت التفصيل فلاحظ مفاهيم القرآن، الجزء الأول، ص ٢٠٧ ـ ٢٣٨.