الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٤٣
الثاني - ما هو المراد من قيام المعلول بعلّته
إذا كان توصيف الوجود بالإمكان بمعنى قيامه بعلته، يقع الكلام في حقيقة ذلك القيام و أنَّه من أي نوع من أنواعه. فهل هو من قبيل قيام العرض بموضوعه أو الجوهر بمحله؟، أو أن قيامه بها يرجع إلى معنى دقيق و يشبه قيام المعنى الحرفي بالمعنى الإِسمي في المراحل الثلاث، التصور و الدلالة و التحقق؟. إليك البيان:
إذا قلت: سرتُ من البصرة إلى الكوفة، فهناك معان إسمية هي السير و البصرة و الكوفة، و معنى حرفي و هو كون السير مبدوءاً من البصرة و منتهياً إلى الكوفة. فالإبتداء و الإنتهاء المفهومان من كلمتي «من» و «إلى» فاقدان للإستقلال في مجال التصور فلا يتصوران مستقلين و منفكين عن تصور البصرة و الكوفة، و إلاَّ لعاد المعنى الحرفي معنى إسمياً، و لصار نظير قولنا: «الإِبتداء خير من الإِنتهاء».
و كذلك فاقدان للإستقلال في مجال الدلالة فلا يدلان على شيء إذا انفكتا عن مدخوليهما .
كما هما فاقدان للإستقلال في مقام التحقق و الوجود، فليس للإِبتداء الحرفي وجود مستقل منفك عن متعلقه، كما ليس للإنتهاء الحرفي وجود كذلك.
فالحفاظ على المعنى الحرفي لا يتحقق إلاَّ بثبوت عدم الإستقلال له في المجالات الماضية، و إلاَّ لخرج عن كونه معنى حرفياً.
و على ضوء ذلك يتبين وزان الوجود الإمكاني الذي به تتجلى الأشياء و تتحقق الماهيات، و به تصير الماهيات كالشجر و الحيوان و الإنسان من الأعيان الخارجية، فإن وزانه إلى الواجب لا يعدو عن وزان المعنى الحرفي إلى الإسمي، و ذلك لأنَّ الصادر من الواجب هو الوجود و هو لا يخلو من قسمين: إمَّا واجب أو ممكن، و الأول خلف لكون المفروض معلوليته و صدوره عنه، و ما هو كذلك لا يمكن أن يخرج عمَّا هو عليه. فيتعين