الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٣٠
تمثيلان لإِيضاح الحقيقة
الحق أنَّ قياس المعقول بالمحسوس الذي ارتكبته المعتزلة قياس غير تام ولو أراد المحقق ارتكاب لهذا القياس و التمثيل فعليه أن يتمسك بالمثالين التاليين:
الأول: إنَّ مَثَلَ الموجودات الإِمكانية بالنسبة إلى الجواب، كمثل المصباح الكهربائي المضيء، فالحس الخاطئ يزعم أنَّ الضوء المنبعث من هذا المصباح هو استمرار للضوء الأول، و يتصور أنَّ المصباح إنَّما يحتاج إلى المولّد الكهربائي في حدوث الضوء، دون استمراره.
و الحال أنَّ المصباح فاقد للإِضاءة في مقام الذات محتاج في حصولها إلى ذلك المولد في كل لحظة، لأنَّ الضوء المتلألئ من المصباح إنما هو استضاءَة بعد استضاءَة، و استنارة بعد استنارة من المولد الكهربائي. أفلا ينطفئ المصباح إذا انقطع الإِتصال بينه و بين المولد؟ فالعالم يشبه هذا المصباح الكهربائي تماماً، فهو لكونه فاقداً للوجود الذاتي يحتاج إلى العلّة في حدوثه وبقائه لأنه يأخذ الوجود آناً بعد آن، و زماناً بعد زمان.
الثاني: نفترض منطقة حارّة جافّة تطلع عليها الشمس بأشعتها المُحرقة الشديدة. فإذا أردنا أن تكون تلك المنطقة رطبة دائماً بتقطير الماء عليها، و إفاضته بما يشبه الرذاذ، فإن هذا الأمر يتوقف على استمرار تقاطر الماء عليها ولو انقطع لحظة ساد عليها الجفاف وصارت يابسة.
فمثل الممكن الذي يتصف بالوجود باستمرار، مثل هذه الأرض المتصفة بالرطوبة دائماً، فكما أنَّ الثاني رهن استمرار إفاضة قطرات الماء عليها آناً بعد آن، فهكذا الأول لا يتحقق إلاَّ باستمرار إفاضة الوجود عليه آناً بعد آن. و لو انقطع الفيض و الصلة بينه و بين المفيض لا نعدم و لم يبق منه أثر.
***