الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٢٥
حاجة المُمْكِن إلى العِلّة تنحصر في حُدوثه
قالوا: إنَّ سِرّ حاجة الممكن إلى الواجب و المعلول إلى العلّة هو حدوثه الذي يفسّر بالوجود المسبوق بالعدم و انقلاب العدم إليه. فإذا حدث الممكن ترتفع الحاجة، لأنَّ البقاء شيء و الحدوث شيء آخر. إذ الحدوث لا ينطبق إلاَّ على الوجود الأول القاطع للعدم. و أمَّا الوجودات اللاحقة فلا تتصف بالحدوث بل تتصف بالبقاء، فعندئذ يكون الشيء في بقاء ذاته غير محتاج إلى العلّة. فإذا كان هذا حال الذات، فكيف حال الأفعال، فلا يحتاج في أعماله إلى العِلّة.
ولأجل ذلك يفعل العباد أو يتركون بقدرة و إرادة من أنفسهم، و لا صلة في هذه الحال بين الذات و الأفعال، و الواجب الحكيم سبحانه.
يقول الشيخ الرئيس حاكياً عقيدة المفوضة: «و قد يقولون: إنَّه إذا أوجد فقد زالت الحاجة إلى الفاعل حتى أنَّه لو فُقِدَ الفاعل جاز أن يبقى المفعول موجوداً كما يشاهدونه من فقدان البنّاء و قوام البناء. و حتى أنّ كثيراً منهم لا يتحاشى أن يقول: لو جاز على الباري تعالى العدم لما ضرّ عدمه وجودَ العالم لأنَّ العالم عندهم إنما احتاج إلى الباري تعالى في آن أوجده (أخرجه من العدم إلى الوجود) حتى كان بذلك فاعلا، فإذا جعل و حصل له الوجود من العدم، فكيف يخرج بعد ذلك الوجود عن العدم حتى يحتاج إلى الفاعل»[١].
تحليل هذا الأصل و نقده
إنَّ هذا الأصل الذي بنى عليه القوم نظريتهم في أفعال العباد، بل في أفعال و آثار كل الكائنات، باطل لوجوه نشير إليها:
الوجه الأول: إنَّ مناط حاجة المعلول إلى العلّة هو الإِمكان أي عدم
[١] الإشارات للشيخ الرئيس، ج ٣، ص ٦٨. لاحظ كشف المراد، الفصل الأول، المسألة ٢٩، و المسألة ٤٤. و الأسفار، ج ٢، ص ٢٠٣ ـ ٢٠٤.