الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣١٨
و لكن ليس تأثيرها إلى درجة يسلب الإِختيار من الإِنسان. إذ لو صحّ هذا، للزم بطلان جهود المربّين، و صيرورة أعمال المصلحين هواءً في شَبَك. بل هذه العوامل لا تعدو عن كونها مقتضيات و أرضيات تطلب أموراً حسب طبيعتها، و لكن وراءها حرية الإِنسان و اختياره. و قد خلط المادي في هذه النظرية بين الإِيجاب و الإِقتضاء، و العلَّة التامة و العلَّة الناقصة. و لأجل إيضاح مدى تأثير هذه العوامل نبحث عن كل واحدة منها على وجه الإِجمال.
أما الوراثة فهي ناموس مقبول في الجملة، ولكن لا يعلم حدودها سعة وضيقاً، فلا شك أن الأولاد يرثون الصفات الخلقية و الروحية على وجه الإجمال ولكن ما يتركه الآباء و الأُمهات في هذا المجال ينقسم إلى نوعين:
١ـ ما يفرض على الأولاد فرضاً لا يمكن إزالته مثل الحمق، و البلادة، و العقل و الذكاء، و الجبن، و الشجاعة و غير ذلك مما لا يمكن إزالته في الأغلب بالجهود التربوية و الإِصلاحية.
٢ـ ما يرثه الأولاد على وجه الأرضية و الإِقتضاء، و بصورة تأثير العلّة الناقصة، فيمكن إزالة آثاره بالوسائل التربوية و الطرق العلمية و ذلك كالأمراض الموروثة كالسل و غيره، و مثل هذا القسم طائفة كبيرة من الروحيات كحالة الطغيان و التمرد فإنه يمكن إزالتها برفَع مستوى فكر الإِنسان و عقليته، و إيقافه على عواقب العصيان. فليس كل ما يرثه الأولاد من الآباء و الأمهات مصيراً لازماً و قضاءً حتماً، بل هناك فوق بعض ذلك إرادة الإِنسان و اختياره و سائر العوامل التربوية المغيرة لأرضية الوراثة.
و أما التعليم و الثقافة، فلا شك في تأثيرهما في شخصية الإِنسان و لتأثيرهما شواهد جمّة في التاريخ، ولكن ليس دور التعليم في تكوين الشخصية على وجه الإيجاب، فله قبول ما يلقى إليه من المفاهيم و التعاليم، كما أنَّ له رفضها، ولأجل ذلك يختلف خريجو الثقافة الواحدة بين قابل لما أوحته إليه، و رافض له. و هذا دليل على أنَّ الثقافة لا تؤثر إلاَّ بشكل غير إيجابي.