الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣١٣
و أمَّا الدليل على ثبوت اختيار ذاتي للنفس فيكفي في ذلك:
أولا: قضاء الفطرة و البداهة بذلك فإن كل نفس، كما تجد ذاتها حاضرة لديها فهكذا تجد كونها مختارة، و أنَّ سلطان الفعل و الترك بيدها، و لها أن تقْدم على عمل و أن لا تقدم عليه، و لا شيء أظهر عند النفس من هذا الاختيار، و إنَّ أنكره الإِنسان فإنما ينكره باللسان و هو معتقد به.
وثانياً: إنَّ فاقد الكمال لا يكون معطيه فالنفس واجدة للاختيار في مقام الفعل و يعد فعلها فعلا اختيارياً لأجل كونه مسبوقاً بالإرادة. فمفيض الاختيار في مقام الفعل واجد له في مقام الذات. و هذا نظير ما يقال: إنَّ الصور التفصيلية الظاهرة في الضمير من أفعال النفس، و هي واجدة لها في مقام الذات، فمن كانت له ملكة علم النحو ثم سئل مسائل كثيرة فأجاب عنها واحدة بعد الأخرى بأجوبة تفصيليلة فهي كانت موجودة في صميم الملكة و ذات النفس بوجود بسيط إجمالي، لا بوجود تفصيلي. و هذا يدلنا على أنَّ كل ما يظهر للنفس في مقام الفعل والتفصيل، و منه الاختيار، فهي واجدة له في مقام الذات بوجه بسيط إجمالي مناسب لمقام الذات.
إذا عرفت ذلك فنحن في غنى عن إيضاح الجواب و لعل ما ذكرناه هو مقصود صاحب المحاضرات كما نقلنا عنه. ولكنه دام ظله يصرّ على أمر لا دخالة له في الإِجابة و هو أنَّه ليست الإِرادة علّة تامة للفعل بل الفعل ـ على الرغم من وجوده و تحققه ـ يكون تحت اختيار النفس و سلطانها، و لو كانت الإِرادة علّة تامة لحركة العضلات و مؤثرة فيها لم يكن للنفس تلك السلطنة و كانت عاجزة عن التأثير فيها مع فرض وجودها.
أقول: لو كانت الإِرادة علّة تامة للفعل، أو كانت جزءاً أخيراً من العِلة التامة كما هو الحق بحيث يكون تحقق الفعل معها ضرورياً، فلا ينافي ذلك سلطان النفس و اختيارها قبل الإِرادة، إذ لها أن تتأمل فيما يترتب على الفعل و الإِرادة من الآثار السيئة و لا تريدها، ولكنها باختيارها أوجدت الإرادة و حققتها، و معها وجب صدور الفعل من النفس. و مثل هذا لا يوجب خروج