الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣١١
و الإِنسان من مصاديق تلك الضابطة في أفعاله الاختيارية[١].
و إليك بيانه: إنْ ما يصدر من الإِنسان من الأفعال على قسمين، قسم منه يصدر عن طريق الآلات و الأسباب الجسمانية كالخياطة و البناء، و هذا القسم من الفعل يكون مسبوقاً بالتصور و التصديق و الشوق إلى الفعل و العزم و الجزم الذي يلازم تحريك العضلات نحو المراد. و هذا ما يسمى بالأفعال الجوارحية.
و قسم يصدر منه بلا آلة بل بخلاقية منها، و هذا كالأجوبة التي تصدر من العالم النحوي الذي له ملكة علم النحو عند السؤال عن مسائله. فإنَّ هذه الأجوبة تصدر واحدة بعد الأخرى لا بتصور و لا بتصديق و لا بشوق و لا بعزم سابق على الأجوبة. و ليس صدور تلك الأجوبة عن النفس كصدور الأفعال الجوارحية من الأكل و الشرب مسبوقة بمبادئها، بل هي تظهر في لوح النفس و تصدر عنها بدون هذه التفاصيل.
و هذه الأجوبة التي تعد صوراً علمية، موجودة للنفس مخلوقة لها، خلقاً اختيارياً بحيث لو شاء ترك، مع أنها ليست مسبوقة بالإِرادة و لا بمبادئها، بل كفى في كونها اختيارية كون النفس «فاعلا مختاراً بالذات» بحيث تكون حقيقتها كونها مختارة، و كونها مختارة نفس حقيقتها.
و بذلك يظهر أن وِزان الإرادة بالنسبة إلى النفس وزان الصور العلمية. فكما أنَّ صدور الصور العلمية لا يتوقف على المبادئ السابقة، فكذلك ظهور الإِرادة في الضمير.
و كما أنَّ ظهور تلك الأجوبة، ظهور اختياري لدى النفس، فكذلك الإِرادة، وليس مناط اختياريتها سبق إرادة أخرى، لما عرفت من عدم كونها مسبوقة بها، بل المِلاك في اختياريتها كون النفس فاعلا مختاراً بالذات و ليس الاختيار مفصولا عن ذاتها و هويتها.
[١] لبّ الأثر في الجبر و القَدَر، تقرير لدرس السيد الإِمام بقلم الأُستاذ دام ظله، مخطوط.