الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٠٥
لا يتصف هو و لا فعله بالجبر. فالاستنتاج نبع من المغالطة بين الفاعل الموجَب و الفاعل الموجِب، و هو أحد أقسام المغالطة[١].
الدليل الثاني : الإِرادة ليست اختيارية
هذا الدليل الذي لجأ إليه الجبريون من الحكماء، هو المزلقة الكبرى، و الداهية العظمى في المقام و لقد زلّت في نقده و تحليله أقدام الكثير من الباحثين، و لا عتب علينا لو أسهبنا البحث فيه، فنقول: قال المستدل: إنَّ كل فعل اختياري بالإرادة، ولكنها ليست أمراً اختيارياً و إِلاَّ لزم أن تكون مسبوقة بإرادة أُخرى، و ينقل الكلام إليها، فإمَّا أن تقف السلسلة فيلزم الجبر في الإِرادة النهائية و إِمَّا أن لا تقف فيلزم التسلسل.
و بعبارة ثانية: إنَّ الفعل الاختياري ما كان مسبوقاً بالإِرادة، و أمَّا نفسها، فلا تكون كذلك، لأنا ننقل الكلام إلى الثانية منها فهل هي كذلك أو لا؟ و على الثاني يثبت كونها غير اختيارية لعدم سبق إرادة عليها، و عدم نشوئها من إرادة أُخرى. و على الأول ينقل الكلام إليها مثل الأولى فإما أن يتوقف في إرادة غير مسبوقة، أو يتسلسل. و الثاني محال. فيثبت الأول.
و قد نقل صدر المتألهين هذا الإِشكال عن المعلّم الثاني الفارابي حيث قال في نصوصه: «إن ظن ظان أنَّه يفعل ما يريد و يختار ما يشاء، استكشف عن اختياره هل هو حادث فيه بعدما لم يكن أو غير حادث؟ فإن كان غير حادث فيه لزم أن يَصْحَبُهُ ذلك الاختيار منذ أوّل وجوده، ولزم أن يكون مطبوعاً على ذلك الاختيار لا ينفك عنه، و إن كان حادثاً ـ و لكل حادث محدث ـ
[١] إن للمغالطة أقساماً كثيرة ربما تناهز الثلاثة عشر قسماً، و منها هذا القسم الوارد في هذا البحث. لاحظ قسم المغالطة في شرح المنظومة للحكيم السبزواري (ص ١٠٥ ـ قسم المنطق) حيث يقول:
أنواعها الثلاثة عشر كما * قد ضبطوها من كلام القُدَما