الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٠٤
و بعبارة ثانية: إذا كان هناك ما يقتضي وجوده، فإمَّا أن يقتضي وجوبه أيضاً أو لا، فعلى الأول فقد وجب وجوده، و تثبت القاعدة، و على الثاني يعود السؤال بأنه إذا كان تطرق العدم أمراً ممكناً جائزاً، فلماذا اتصف بالوجود دون العدم مع انفتاح طريق كل منهما، إذ المفروض أنَّ العلّة ما اقتضت وجوبه و لم تسد باب العدم على وجه القطع و البت، بل كان باب كل مفتوحاً على الشيء و إنْ ترجّح جانب الوجود، ولكنه لم يمتنع بعدُ الجانب الآخر، و الأولوية العارضة لجانب الوجود غير كافية إذ المفروض أنَّ طريق العدم معها بعد مفتوح، و مع ذلك اتصف بالوجود و لم يتصف بالعدم. و عندئذ، ينطرح السؤال التالي:
لماذا تحقق هذا و لم يتحقق ذاك؟ و لأجل ذلك ذهب الحكماء إلى أنَّ وجود الشيء رهن سد باب العدم على وجه القطع و البت و اتصافه بالوجود على وجه الوجوب حتى ينقطع السؤال بأنه لم اتصف بهذا دون ذاك.
هذا برهان القاعدة، و رتب عليها القول بالجبر، لأن فعل العبد لا يصدر منه إلاَّ بالوجوب، و الوجوب ينافي الاختيار.
يلاحظ عليه: إنَّ القاعدة قاعدة متقنة لا غبار عليها غير أنَّ استنتاج الجبر من القاعدة أمر عجيب، لأنها لا تعطي أزيد من أنَّ المعلول إنما يتحقق بالإِيجاب و الإِلزام، و أمَّا كون الفاعل، فاعلاً موجباً (بالفتح) و مجبوراً فلا يستفاد منها.
توضيح ذلك: إنَّ الفاعل لو كان فاعلا طبيعياً غير شاعر و لا مختار، أو شاعراً غير مختار، يصدر الفعل منه بالوجوب مع امتناع العدم و يكون الفعل واجباً و الفاعل موجَباً (بالفتح). و أمَّا إذا كان الفاعل مدركاً و مختاراً، فصدور الفعل منه يتوقف على اتّصاف فعله بالوجوب، و العامل الذي يضفي هذا الوصف على المعلول هو نفس الفاعل، فهو باختياره و حريته يوصل الفعل إلى حد يكون صدوره عنه على نحو الوجوب و اللزوم. فعندئذ يكون الفاعل المدرك المختار فاعلا موجباً أي معطياً الوجوب لفعله و مَنْ هو كذلك