الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٠١
يكون تحصيلا للحاصل، بل المعرفة الإِجمالية الباعثة على التفصيلية منها.
الثاني: إنَّ أبا لهب أُمِر بأن يؤمن دائماً وهو ممتنع لأنه تعالى أخبر بأنه لا يؤمن. و الإِيمان تصديق الرسول فيما علم مجيئه به، و ممَّا جاء به أنَّه لا يؤمن. فيكون هو في حال لزوم إيمانه على الاستمرار مأموراً بأن يؤمن بأنَّه لا يؤمن، و يصدّق بأنه لا يصدق. و إيمانه المشتمل على ما ذكر محال لاستلزامه الجمع بين التصديق و التكذيب. فإذا كان المكلف به محالا، لم يكن للتكليف به فائدة[١].
يلاحظ عليه: إنَّ الإِيمان هو التصديق الإِجمالي بأنَّ ما جاء به النبي حق. و هذا كاف في عد الإِنسان مؤمناً. و لا يشترط في تحقق الإِيمان التصديق التفصيلي بكل واحد مما جاء به النبي. و على ضوء هذا كان أبو لهب مأموراً بالتصديق الإِجمالي وهو توحيده سبحانه و الإِعتقاد بأنَّ رسالة ابن اخيه من اللّه سبحانه. و هذا أمر ممكن لكل أحد و قد كان في وسعه أيضاً ولكنه لم يؤمن به و أمَّا التصديق التفصيلي بكل ما جاء في القرآن و منه أنَّ أبا لهب لا يؤمن بتاتاً و أنَّ النار مثواه فلم يكن ممَّا يجب الإِيمان به حتى يلزم منه التناقض.
إلى هنا تمَّ إيراد جملة من تشكيكات الأشاعرة الواردة في مجال الأفعال الاختيارية و لا حاجة إلى الإسهاب أزيد من هذا و فيما ذكرناه غنى و كفاية لمن أراد الحق و ابتغاه.
نعم استدلت الأشاعرة بالآيات المصرّحة بأنَّ الهداية و الإِضلال والختم من جانبه سبحانه و سنعقد له فصلا خاصاً عند البحث عن مذهب الحق. و هو الأمر بين الأمرين.
[١] شرح المواقف، ج ٨، ص ١٥٧.