الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٩٨
مستنداً إلاَّ إلى نفس الإِنسان و ذاته، فإنها المبدأ لظهوره في الضمير.
إنما الكلام في كون هذا المرجح فعل اختياري للنفس أوْلا.
فمن قال بأنَّ الفعل الاختياري ما يكون مسبوقاً بالإِرادة، وقع في المضيق في جانب الإِرادة. إذ على هذا تصير الإِرادة فعلا غير اختياري، لأنها غير مسبوقة بإرادة أُخرى كما هو واضح وجداناً، و على فرض احتماله ننقل الكلام إلى الإِرادة الثانية، فإمَّا أن يتوقف فيلزم كون الثانية غير اختيارية، أو يتسلسل و هو باطل.
و أمَّا على القول المختار، كما سيوافيك بيانه عند البحث عن الجبر الفلسفي، من أنَّ التعريف المذكور مختص بالأفعال الجوارحية كالأكل و الشرب فإن الاختيارية منها ما يكون مسبوقاً بالإِرادة دون الأفعال الجوانحية للنفس، كالعزم و الإِرادة، فإنَّ مِلاك اختياريتها ليس كونها مسبوقة بالإِرادة بل كونها فعلا للفاعل المختار بالذات أعني النفس الناطقة، فإنَّ الاختيار و الحرية نفس ذاته و حقيقته و سنبرهن على ذلك عند البحث عن الجبر الفلسفي.
و على هذا فالاستدلال مبتور جداً. أضف إلى ذلك: أنَّ الظاهر من كلامهم أنَّ المرجح للفعل شيء خارج عن محيط إرادة الفاعل و اختياره، و هو شيء يخالف الفطرة و الشهود الوجداني لكل فاعل. بل المرجح، و إن شئت قلت بعبارة صحيحة، الجزء الأخير من العلة التامة، هو الإِرادة و هي فعل اختياري للنفس لا لكونها مسبوقة بالإِرادة بل لكونها ظلالا للفاعل المختار بالذات، أعني النفس التي هي المَثَل الأعلى للّه سبحانه، فهو أيضاً فاعل مختار بالذات تكون أفعاله أفعالا اختيارية لكونها ظلالا للفاعل المختار بالذات.
ثم إِنَّ بعض المحققين أجاب عن استدلال الأشاعرة بجواب غير تام و حاصله: إنَّ الترجيح بلا مرجح لا مانع منه و إنَّ وجود المرجح و أصل الفعل و طبيعته كاف و إن كانت أفراده متساوية من دون أن يكون لبعضها مرجح على