الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٨٩
إرادته سبحانه لأفعال الإِنسان، أو أنَّ أفعاله خارجة عن إطار الإِرادة الإِلهية. فالمعتزلة على الثاني ـ حفظاً لاختيار الإِنسان و تجنباً عن القول بالجبر ـ و الأشاعرة على الأول لكن بالالتزام بتعلق إرادته سبحانه على أفعال البشر من غير واسطة كما هو الحال في غير الأفعال.
و أمَّا الإِمامية فقد اختلفت آراؤهم، فيظهر من الشيخ الصدوق سعة إرادته سبحانه لأفعال العباد، لكن بوجه مجمل لا يعلم كنه مراده منه. و ذهب الشيخ المفيد إلى خلافه و قال: «إنَّ اللّه تعالى لا يريد إلاّ ما حسن من الأفعال و لا يشاء إلا الجميل من الأعمال و لا يريد القبائح و لا يشاء الفواحش، تعالى الله عمَّا يقول المبطلون علواً كبيراً. قال اللّه تعالى: (و ما اللّه يُريدُ ظُلْماً لِلعباد) و قال: (يُريدُ اللّه بِكُمُ اليُسْرَ و لا يُريد بِكُمُ العُسْرَ)...» إلى أن قال: «فلو كان سبحانه مريداً لمعاصيهم لنافى ذلك التخفيف و اليُسْر لهم، فكتاب اللّه شاهد على ضد ما ذهب إليه الضالون المفترون على اللّه الكذب»[١].
و قد صارت هذه المسألة مائزة بين الأشاعرة و المعتزلة و اتَّخذ كل من الفريقين نتيجة رأيه شعاراً لمنهجه. و لأجل ذلك لما دخل القاضي عبدالجبار المعتزلي (ت ١٤١٥ هـ) دار الصاحب بن عباد فرأى فيه أبا إسحاق الإسفرائيني الأشعري (ت ٤١٣ هـ)، قال القاضي: «سبحان من تنزَّه عن الفحشاء» (يريد بذلك أنَّ القول بسعة إرادته لأفعال الإِنسان يستلزم أنَّه أراد الفحشاء). فأجابه أبو إسحاق بقوله: «سبحان من لا يجري في ملكه إلاَّ ما يشاء» (مريداً بذلك أنَّ القول بوقوع أفعال العباد بلا مشيئة منه سبحانه يستلزم القول بوجود أشياء في سلطانه و مملكته خارجة عن مشيئته)[٢].
و على كل تقدير، فالحق تعلُّق إرادته بكل ما يوجد في الكون من دون فرق بين فعل الإِنسان و غيره، و لا يقع في ملكه إِلاَّ ما يشاء ولكن لا على
[١] تصحيح الاعتقاد، ص ١٦ بتلخيص.
[٢] شرح المقاصد، ج ٢، ص ١٤٥.