الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٨٧
الأصل الثاني: علمه الأزلي المتعلق بأفعال العباد
هذا هو الأصل الثاني الذي اعتمد عليه اتباع الإِمام الأشعري. و بيانه: إنَّ ما علم اللّه عدمه من أفعال العباد فهو ممتنع الصدور عن العبد، و إِلاَّ جاز انقلاب العلم جهلا. و ما علم اللّه وجوده من أفعاله، فهو واجب الصدور عن العبد، و إلاَّ جاز ذلك الانقلاب، و لا مخرج عنهما لفعل العبد. فيبطل الاختيار إذ لا قدرة على الواجب، و الممتنع.
و كأن هذا الاستدلال، استدلال نقضي على القائلين بالاختيار.
و لأجل ذلك يقول المستدل بعد نقله: «إن ما ذكرنا يبطل التكليف لابتنائه على القدرة و الاختيار، فما لزم القائلين بمسألة خلق الأعمال فقد لزم غيرهم لأجل اعتقادهم بعلمه الأزلي المتعلق بالأشياء» حتى أنَّ الإمام الرازي ذكر هذا الدليل متبجحاً بقوله: «و لو اجتمع جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا الوجه حرفاً إلا بالتزام مذهب هشام و هو أنه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها»[١].
أقول: يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنَّ ما نسبه إلى هشام بن الحكم أمر غير ثابت و لم يقل به بعد انتمائه إلى الإِمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : إنَّ الإِجابة عن هذا الاستدلال واضحة جداً، و إِنَّ زعم الرازي أنَّ الثقلين لا يقدرون على حلّ عقدته، و هي كما أوضحناه عند البحث عن القضاء و القدر أنَّ علمه الأزلي لم يتعلق على صدور كل فعل عن فاعله على وجه الإطلاق، بل تعلق علمه بصدور كل فعل عن فاعله حسب الخصوصيات الموجودة فيه. و على ضوء ذلك تعلق علمه الأزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر، بلا شعور و لا اختيار، كما تعلق علمه الأزلي بصدور الرعشة من المرتعش على وجه الجبر عالماً بلا اختيار، ولكن تعلق علمه سبحانه بصدور فعل الإِنسان الاختياري منه بقيد الاختيار و الحرية. فتعلق علمه بوجود
[١] شرح المواقف، ج ٨، ص ١٥٥.