الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٨٦
فينسب الفعل الواحد و هو الغلبة في وقت واحد إلى نفسه و رسله.
٤ ـ يقول سبحانه: (إِنْ تَنْصُروا اللّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)[١].
فيعد نفسه ناصراً و في الوقت نفسه يعد المؤمنين ناصرين أيضاً.
٥ ـ يقول سبحانه: (و إذ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَ تُبْرِئَ الأَكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ بِإِذْنِي و إذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإِذْنِي)[٢]. ترى أنَّه سبحانه ينسب أمر الخلق إلى رسوله بصراحة، حتى أنَّ الرسول يصف نفسه به و يقول (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)[٣]. و مع ذلك أنَّ القرآن الكريم يخصّ الخالقية باللّه سبحانه في كثير من الآيات التي تعرفت عليها، و لا يحصل الجمع بين هذه الآيات إلاَّ بالقول بأنَّ الخالقية النابعة من الذات غير المعتمدة على شيء تختص به سبحانه، و مثله سائر الأفعال من الرزق و الزرع و الغلبة و النصرة، فالكل بالمعنى السابق مختص به سبحانه لا يعدوه، لأنها من خصائص الواجب و لا يتصف بها الممكن. و أَمَّا الفعل المعتمد على الواجب المستمد منه فهو من شأن العبد يقوم به بإقدار منه سبحانه و إذن. و لأجل ذلك يكرر سبحانه لفظة «بإذني» أو «بإذن اللّه» في الآيات المتقدمة و هذا واضح لمن عرف الفباء القرآن. و الأشعري و من تبعه قصروا النظر على قسم واحد، و غفلوا عن القسم الآخر، و لا يقف على ذلك إلاَّ من فسّر الآيات تفسيراً موضوعياً[٤].
***
[١] سورة محمد: الآية ٧.
[٢] سورة المائدة: الآية ١١٠.
[٣] سورة آل عمران: الآية ٤٩.
[٤] المراد من التفسير الموضوعي هو جمع الآيات الواردة حول موضوع ما، ثم عرض بعضها على البعض الآخر، حتى يتبين المراد و المفهوم. و هذا نمط و طراز حديث من التفسير أبدعه شيخنا الأستاذ العلامة جعفر السبحاني و خرج منه أجزاء خمسة باسم «مفاهيم القرآن».