الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٨٣
القرآن و خلق الأعمال
قد عرفت الأدلة العقلية التي أقامتها الأشاعرة على مسألة خلق أعمال العباد بقدرة العباد وحدها، ولكن للقوم أدلة سمعية نشير إلى بعضها. فقد استدل الشيخ الأشعري عليها في كتاب (الإِبانة) بآيتين:
الآية الأُولى: قوله سبحانه: (أَتَعْبُدُون ما تَنْحِتُون و اللّه خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ)[١].
يلاحظ على الاستدلال أمران:
أ ـ إِنَّ الاستدلال مبني على كون «ما» في كلامه سبحانه، مصدرية و إنَّ معنى الآية: «و اللّه خَلَقَكُمْ وَ عَمَلَكُمْ». ولكن الظاهر أن «ما» موصولة بقرينة قوله (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحتُونَ)، و المراد من الموصول هنا الأصنام و الأوثان، و وحدة السياق تقتضي كون «ما» في الآية الثانية موصولة أيضاً، فيكون معنى الآية: «أتعبدون الأصنام التي تنحتونها و اللّه خلقكم أيها العبدة و الأصنام التي تعملونها». و تتم الحجة على المشركين بأنهم و معبوداتهم مخلوقات اللّه سبحانه، فلا وجه لترك عبادة الخالق و عبادة المخلوق.
و أمَّا إذا قلنا بكون «ما» مصدرية، فتفقد الآية الثانية صلتها بالأُولى و يكون مفاد الآيتين: «أتعبدون الأصنام التي تنحتونها و اللّه خلقكم أيها العبدة و خلق أعمالكم و أفعالكم»، و الحال أنَّه ليس لعملهم صلة بعبادة ما ينحتونه.
ب ـ إنَّه لو كانت «ما» مصدرية لتمت الحجة على غير صالح الخليل و لانقلبت عليه، إذ عندئذ ينفتح لهم باب العذر بحجة أنَّه لو كان اللّه سبحانه هو الخالق لأعمالنا فلماذا توبخنا و تنددنا بعبادتنا إيَّاهم.
الآية الثانية: قوله سبحانه: (هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللّه يَرْزُقُكُمْ مِنَ
[١] سورة الصافات: الآيتان ٩٥ ـ ٩٦.