الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٨٠
يلاحظ عليه أمران:
١ـ إنَّ مراده من الصرف هو توجه قدرة العبد إلى الفعل، فمجرد توجهها إلى الفعل و إن لم يكن دخيلا في وجود الفعل، كسب. و من المعلوم أنَّ صرف التوجه لا يعدو عن نية الفعل فكما أنَّها لا تؤثر في المسؤولية إذا نوى هو وقام الآخر به، فهكذا في المقام.
٢ـ إنَّ الشيخ التفتازاني يعترف بعجزه عن تفسير الكسب.
و هناك كلام متين للقاضي عبد الجبار نأتي بنصه قال: «إنَّ فساد المذهب يعلم بأحد طريقين:
أحدهما: أن يتبين فساده بالدليل.
الثاني: أن يتبين أنَّه غير معقول في نفسه.
و المقام (الكسب) من قبيل الثاني فإذا تبين أنَّه غير معقول في نفسه كفيت نفسك مؤونة الكلام عليه، لأن الكلام على ما لا يعقل لا يمكن. و الذي يبين لك صحة ما نقوله أنَّه لو كان معقولا لكان يجب أن يعقله مخالف المُجبرة في ذلك من الزيدية و المعتزلة و الخوارج و الإِمامية، فإن دواعيهم متوفرة و حرصهم شديد في البحث عن هذا المعنى. فلما لم يوجد في واحد من هذه الطوائف على اختلاف مذاهبهم، و تنائي ديارهم، و تباعد أوطانهم، و طول مجادلتهم في هذه المسألة من ادعى أنه عقل هذا المعنى أو ظنه أو توهمه، دل على أنَّ ذلك مما لا يمكن اعتقاده و الإِخبار عنه البتَّة. و مما يدل على أنَّ الكسب غير معقول هو أنَّه لو كان معقولا لوجب ـ كما عقله أهل اللغة و عبروا عنه ـ أن يعقله غيرهم من أهل اللغات و أن يضعوا له عبارة تنبي عن معناه. فلما لم يوجد شيء من اللغات ما يفيد هذه الفائدة دل على أنه غير معقول»[١].
[١] شرح الأصول الخمسة للقاضي عبدالجبار، ص ٣٦٤ ـ ٣٦٦.