الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٧٥
في سلطان غيره. و الحق الذي عليه البرهان و يصدقه الكتاب كون الفعل موجوداً بقدرتين لكن لا بقدرتين متساويتين و لا بمعنى علتين تامتين بل بمعنى كون الثانية من مظاهر القدرة الأولى و شؤونها و جنودها; (وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ)[١]. وقد جرت سنة اللّه تعالى على خلق الأشياء بأسبابها فجعل لكل شيء سبباً، و للسبب سبباً إلى أن ينتهي إلى اللّه سبحانه، و المجموع من الأسباب الطولية علة واحدة تامة كافية لإِيجاد الفعل و نكتفي في المقام بكلمة عن الإِمام الصَّادق ـ عليه السَّلام ـ :
قال: «أبى اللّه أن يجري الأشياء إلاَّ بأسباب، فجعل لكل شيء سبباً و جعل لكلِ سبب شرحاً»[٢]
ثم إنَّ للقوم من المعتزلة و الأشاعرة أقوالا لا توافق الأصول الفلسفية و لا الكتاب العزيز، نذكرها في ملحق خاص آخر الكتاب خشية أن يطول المقام[٣].
إلى هنا تم الكلام في المقام الأول و هو تفسير عموم قدرته تعالى و كون أفعال العباد مخلوقة له سبحانه.
***
المقام الثاني: في حقيقة الكسب
إنَّ القول بخلق الأفعال لما كان مستلزماً للجبر حاول الأشعري معالجته بإضافة الكسب إلى الخلق، قائلا بأنَّ اللّه هو الخالق و العبد هو الكاسب، و مِلاك الطاعة و العصيان هو «الكسب»، دون «الخلق». فكل فعل صادر عن كل إنسان مريد يشتمل على جهتين: «الخلق» و «الكسب». فالخلق منه سبحانه و الكسب من الإِنسان. و قد عرفت أنَّ نظرية الكسب التي تدرع بها الأشاعرة أخذتها عن النجارية و الضِرارية، فقد سبقتاها في تبني هذه
[١] سورة المدثّر: الآية ٣١.
[٢] الكافي: ج ١، ص باب معرفة الإِمام، الحديث ٧، ص ١٨٣.
[٣] لاحظ الملحق الأول في آخر الكتاب.