الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٦٩
المقام الأول: في عموم القدرة
قد أوضحنا فيما مضى المراد من التّوحيد في الخالقية و قلنا: إنَّ المراد من أنَّه لا خالق إلاَّ هو ليس هو نفي التأثير عن العلل الطولية المنتهية إليه، كيف و قد نصّ القرآن الكريم على تأثير العلل الطبيعة في آثارها كراراً، فيكون معنى التوحيد في الخالقية: إنَّ الخالق الأصيل غير المعتمد على شيء هو اللّه سبحانه و إن قيام غيره بالخلق و الإِيجاد، بقدرته و مشيئته و لطفه و عنايته. فالكل مستمد في وجوده و فعله منه، لا غنى لهم عنه في حال من الحالات، (يا أيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَراءُ إِلى اللّه وَ اللّه هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ)[١].
و نزيد هنا بياناً فلسفياً على إبطال النظرية التي تتبناها الأشاعرة.
الوجود حقيقة واحدة
إنَّ سلب وصف المؤثريّة و العليّة عن كل شيء حتى على نحو التبعية و الظلية، مضافاً إلى أنّه مخالف للحكم الفطري الذي يجده كل إنسان في نفسه حيث يعتقد بأنَّ للأشياء و للعقاقير و النباتات آثاراً، و لا معنى لخلقه سبحانه هذا الحكم الخاطئ و الباطل في نفوسنا، أقول ـ مضافاً إلى ذلك ـ إنَّ البرهان الفلسفي يرده بوضوح، و ذلك أنَّ حقيقة الوجود حقيقة واحدة في جميع مراتبها، من الواجب إلى الممكن، فالجميع يشترك في حقيقة واحدة نعبر عنها بـ «طرد العدم». و لأجل تلك الوحدة نطلق الوجود على الجميع بمعنى واحد، و لو كانت حقيقته في الواجب مباينة لحقيقته في الممكن لوجب أن يكون لفظ الوجود مشتركاً لفظياً بينهما، و أن يطلق على الواجب بملاك آخر.
فإذا كانت حقيقة الوجود بين عامة المراتب حقيقة واحدة، فإذا ثبت التأثير لمرتبة عليا منه، يجب أن يكون ثابتاً للمراتب الدنيا أيضاً لكن حسب ما يناسب شأنها، فإنَّ حقيقة الوجود ـ حسب الفرض ـ موجودة في جميع
[١] سورة فاطر: الآية ١٥.