الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٥٦
كل إنسان الى حلّها سواء أقدر عليه أم لا وهي: من أين جاء؟ و لماذا جاء؟ والى أين يذهب؟.
و لأجل هذه الخصيصة في المسألة لا يمكن تحديد زمن نكّون هذه المسألة في البيئات البشرية و مع ذلك فالمسألة كانت مطروحة في الفلسفة الإغريقية، اشراقيّها و مشّائيها، ثم تسربت الى الأوساط الاسلامية و منها تسربت الى المجتمعات الغربيّة، كغيرها من المسائل و العلوم الاسلامية.
الأمر الثانى: في الجبر بأقسامه
أن أحد شقوق هذه المسألة هو القول بالجبر، و أنَّ الإِنسان مسلوب الاختيار، ولكن تصويره يختلف حسب نفسيات الباحث و المِلاكات التي يجعلها محور البحث. فالإلهي القائل بالجبر، يطرحه على نمط مغاير لما يطرحه المادي و الفلسفي القائلين به. فالإلهي لا يصوّر للجبر عاملا سوى ما يرتبط بالله سبحانه من تقديره وقضائه أو علمه الأزلى أو مشيئته القديمة المتعلقة بأفعال الإِنسان [١]. و المادي بما أنه غير معتقد بهذه المبادئ يسند الجبر الى العامل المادي و هو «الوراثة» و «التعليم» و «البيئة»، التي تسمى بمثلث الشخصية، و أنَّ نفسيات كل انسان و روحياته تتكون في ظل هذه العوامل الثلاثة، وهي عوامل خارجة عن الاختيار. ومن المعلوم أنّ فعل كل انسان رد فعل لشخصيته و ملكاته التي اختصرت فيها.
و للفلاسفة للقائلين بالجبر منحى آخر فيه. فتارة يستندون الى أنَّ الارادة الإِنسانية هي العلة التامة للفعل، بحيث اذا حصلت في ضمير الإِنسان يندفع الى الفعل بلا مهلة و انتظار، و بما أنَّ الارادة ليست أمراً
[١] هذه ثلاثة من العوامل التي دفعت الأشاعرة إلى القول بالجبر. وهناك عامل رابع، و هو القول بكون أفعال العباد مخلوقه لله سبحانه مباشرة. و عامل خامس وهو ما يبدو من القرآن الكريم من نسبة الهداية و الضلالة الى الله سبحانه و هذه هي النقاط الرئيسية لأبحاثهم في المسألة.