الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٤١
و أما الثاني فهو الذي يتغير بالأعمال الصالحة والطالحة. و قد صرّح أئمتنا في أحاديثهم بهذا الأمر و نصّوا على هذا التقسيم.
و المراد من التقدير الحتمي ما لا يبدل ولا يغير ولو دُعي بألف دعاء.
فلا تغيّره الصدقة و لا شيء من صالح الأعمال أو صالحها. و ذلك كقضائه سبحانه للشمس و القمر مسيراً إلى أجل معين، و للنظام الشمسي عمراً محدداً، و تقديره في حق كل إنسان بأنه يموت، إلى غير ذلك من السنن الثابتة الحاكمة على الكون و الإِنسان .
و المراد من الثاني الأمور المقدّرة على وجه التعليق، فقدّر أن المريض يموت في وقت كذا إلاّ إذا تداوى، أَو أجريت له عملية جراحية أو دعي له و تُصُدَّقُ عنه وغير ذلك من التقادير التي تتغير بإيجاد الشرائط و الموانع، و الله سبحانه يعلم في الأزل كلا التقديرين: المَوقُوف، وَ تَحَقُّق الموقوف عليه و عدمه. و له نظائر حتى في التشريع الكلي و السنن الوسيعة الالهية، فقد قضى سبحانه في حق المسرفين بأنهم أَصحاب النار، و قال حاكياً عن مؤمن آل فرعون:
(وَ أنَّ مَرَدَّنا إلى الله وَ اَنَّ المُسرفينَ هُم أصحَابُ النَّار)[١].
غير أَنَّ هذا التقدير حتى بصورته الكلية ليس تقديراً قطعياً غير قابل للتغيير بشهادة قوله سبحانه: (قُل يا عِبادِيَ الَّذينَ أسرَفوا عَلى أَنفُسِهَم لا تَقنَطُوا مَن رَحمَةِ اللهِ)[٢] و الهدف من الآيتين تقوية حرية الإِنسان و تفهيمه بأن له الخيار في اختيار أي واحد شاء من التقديرين.
وإليك بعض ما ورد عن أئمة أهل البيت حول هذا التقسيم:
سئل أبو جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ عن ليلة القدر، فقال « تنزل فيها الملائكة و الكتبة إلى سماء الدنيا فيكتبون ما هو كائن في أمر السنة.
[١] سورة غافر: الآية ٤٣.
[٢] سورة الزمر: الآية ٥٣.