الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٣
يتشخص، فلا يكون متحققاً، لأن الكثرة رهن دخول شيء مغاير في حقيقة الشيء، مثلا: البياض بما هو بياض، لا يتصور له الاِثنينية، إلاّ إذا دخل فيه شيء غيره، كتعدد المحل، فيتعدد البياض، ولولا ذلك لصار البياض صرف الشيء، وهو غير قابل للكثرة. يقول الحكيم السَبْزَواري في هذا الصدد:
وَمَالَهُ تَكثُّرٌ قَدْ حَصَلا * فَفِيهِ ما سِواءُ قَدْ تَخَلّلا
إِنَّ الوُجُودَ مَا لَهُ مِنْ ثَان * لَيْسَ قُرىً وَراءَ عَبَّادانِ[١]
والمراد من كونه سبحانه واحداً، هو الواحد بالمعنى الثاني، أي ليس له ثان، ولا تتصور له الإثنينية والتعدد.
ولأجل ذلك يقول سبحانه في تبيين هذه الوحدة: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)، أي واحدٌ لا نظير له.
والعجب إنَّ الإمام أميرالمؤمنين علياً ـ عليه السَّلام ـ قام بتفسير كونه تعالى واحداً، عندما كان بريق السيوف يشد إليه العيون، وضربات الطرفين تنتزع النفوس والأرواح في معركة (الجمل)، فأحس ـ عليه السَّلام ـ بأنَّ تحكيم العقيدة وصرف الوقت في تبيينها لا يقصر في الأَهمية عن خوض المعارك ضد أهل الباطل.
روى الصدوق أنّ أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فقال: «يا أمير المؤمنين أتقول إنَّ الله واحد، قال فحمل الناس عليه، وقالوا: يا أعرابي أماترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب، فقال أمير المؤمنين: دعوه، فإنَّ الذي يريده الأَعرابي هو الذي نريده من القوم»... ثم قال شارحاً ما سأل عنه الأعرابي: «وقول القائل واحد، يقصد به باب الأَعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنَّ ما لا ثاني له، لا يدخل في باب الأعداد، أماترى أنَّه كفر من قال: «ثالث ثلاثة»».
[١] شرح المنظومة، ص ٣٣٣.