الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١١٤
كالدليل على تلك الإِحاطة العلمية، فبما أنَّه يسع وجوده كل مكان وجهة، فهو عالم بكل ما يحويه المكان والجهة.
ومثل هذا لا يمكن أن يكون جسماً، لأنَّ كل جسم إذا حواه مكان خلا منه مكان آخر.
٣ ـ قال تعالى: (وَ للهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[١].
لمّا أمر سبحانه بالتوجه إلى القبلة ـ وربما أوهم ذلك أنَّ الله في مكان يستقر فيه ـ دفعه سبحانه بقوله: (فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) أي لا يخلو مكان عن ذاته ووجوده.
فالمراد من الوجه هنا هو الذات، قال ابن فارس: «وربما عُبّر عن الذات بالوجه قال:
أَسْتَغْفِرُ الله ذَنْباً لَسْتُ مُحْصِيهِ رَبّ العِبادِ إِلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ»[٢].
ولا ينحصر تفسير الوجه بالذات بهذه الآية بل هو كذلك في الآيتين التاليتين:
١ ـ قوله سبحانه: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيءْ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ)[٣].
٢ ـ وقوله سبحانه: (وَ يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَ الإِكْرَامِ)[٤].
والدليل على أنَّ الوجه في هاتين الآيتين بمعنى الذات، لا العضو المخصوص، واضح.
أمَّا الآية الأُولى، فلأنَّه سبحانه بصدد بيان أنَّ كل شيء يهلك ويفنى
[١] سورة البقرة: الآية ١١٥.
[٢] المقاييس، ج ٦، ص ٨٨، مادة «وجه». وغيره من المعاجم.
[٣] سورة القصص: الآية ٨٨.
[٤] سورة الرحمن: الآية ٢٧.