تذكرة الاَعيان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٦
قلت: القصد إلى صفة القلوب بأنّها كالمختوم عليها، وأمّا إسناد الختم إلى اللّه عزّ وجلّ; فلينبه على أنّ هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشيء الخِلقي غير العرضي، ألا ترى إلى قولهم فلان مجبول على كذا، ومفطور عليه، يريدون أنّه بليغ في الثبات عليه، وكيف يُتخيّل ما خُيِّل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم، وسماجة حالهم، ونيط بذلك الوعيدُ بعذاب عظيم، ويجوز أن تضرب الجملة كما هي ـ و هي (ختم اللّه على قلوبهم) ـ مثلاً، كقولهم : سال به الوادي إذا هلك; وطارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، وليس للوادي، ولا للعنقاء عمل في هلاكه، ولا في طول غيبته، وإنّما هو تمثيل: مُثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء، فكذلك مُثلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق، بحال قلوب ختم اللّه عليها، نحو قلوب الأغتام[١] التي هي في خلوها من الفطن كقلوب البهائم، أو بحال قلوب البهائم أنفسها، أو بحال قلوب مقدر خَتمُ اللّه عليها حتّى لا تعي شيئاً ولا تفقه، وليس له عزّ وجلّ فعلٌ في تجافيها عن الحقّ ، ونبوها عن قبوله، وهو متعال عن ذلك، ويجوز أن يستعار الإسناد في نفسه من غير اللّه، فيكون الختم مسنداً إلى اسم اللّه على سبيل المجاز، وهو لغيره حقيقة، تفسير هذا أنّ للفعل ملابسات شتى: يلابس الفاعل، المفعول به، والمصدر، والزمان، والمكان، والمسبب له، فإسناده إلى الفاعل حقيقة، وقد يسند إلى هذه الأشياء عن طريق المجاز المسمّى استعارة، وذلك لمضاهاتها للفاعل في ملابسة الفعل، كما
[١] جمع أغتم، وأصل الغتمة اللون المائل إلى السواد، كأنّه وصف به من ليس له قلب صاف، قال المؤلف في كتابه «أساس البلاغة» :فلان أغتم، من قوم غتم وأغتام، وفيه غتمة، وهي العجمة في المنطق من الغتم، وهو الأخذ بالنفس.