تذكرة الاَعيان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠٨
وعترته الذين هم حفظة سنّته ومبلّغو أحاديثه.
غير أنّ تحريم كتابة السنّة والتحدّث بها في عصر الخلفاء الثلاثة (خاصّة الثاني منهم) أفرز مشكلةً كبيرة هي ذهاب كثير من حفظَة الحديث مع أحاديثهم دون أن يكتب أو ينقل، فحلّ محلهم مستسلمة أهل الكتاب، فروّجوا الإسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات، فتلقّتها الأُمّة علماً ناجعاً ملأوا به كتبهم.
وفي نهاية القرن الأوّل تنبّه عمر بن عبد العزيز إلى الخسارة الفادحة المتوجهة إلى التراث النبوي من ترك كتابة الحديث والتحدّث به، فكتب إلى عامله في المدينة المنورة أبي بكر بن حزم قائلاً: أُنظر ما كان من حديث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فاكتبه، فإنّي خفتُ دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلاّ حديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتّى يعلم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتّى يكون سرّاً.[١]
ومع الحثّ الأكيد من جانب الخليفة الأموي لم تكن هناك حركة سريعة بالنسبة إلى هذا الموضوع، إلى أن دالت دولة الأمويين وقامت محلّها دولة العباسيين وأخذ أبو جعفر المنصور بمقاليد الحكم، فعندئذ قام المحدّثون بتدوين الحديث عام ١٤٣هـ.[٢]
وفي خلال الفترة الّتي أُهملت فيها (باستثناء شيء يسير) السنّة النبوية كتابة وتحديثاً، دخلت الإسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات والمكذوبات على لسان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق تجار الحديث والمستأكلين به، فاحتاج المحقّقون إلى تمييز الصحيح عن غيـره، والصادق عن الكاذب بعلم الرجال الباحث عن
[١] صحيح البخاري:١/٢٧، باب كيف يقبض العلم، من كتاب العلم.
[٢] تاريخ الخلفاء للسيوطي:٢٦١.