تذكرة الاَعيان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧٩
إِلَيَّ)[١] أي مميتك، وقال بعض: مميتك حتف أنفك، مع أنّ معتقد المسلمين هو أنّ عيسى لم يمت ولم يقتل قبل الرفع إلى السماء.
والحقّ أن يقال هو أنّهم لم يفطنوا إلى أنّ معنى «التوفّي» والقدر الجامع المستقيم في محاورة القرآن فيه وفي مشتقّاته، إنّما هو: الأخذ والاستيفاء، وهو يتحقّق بالإماتة وبالنوم، وبالأخذ من الأرض، وعالَم البشر إلى عالَم السماء.
وأنّ محاورة القرآن الكريم بنفسها كافية في بيان ذلك، كما في قوله تعالى في سورة الزمر:(اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حينَ مَوْتِهَا وَالّتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الّتي قَضَى عَلَيْها الْمَوتَ وَيُرْسِلُ الأُخرى إِلَى أَجَل مُسَمّىً)[٢]، ألا ترى أنّه لا يستقيم الكلام إذا قيل: اللّه يُميت الأنفس حين موتها؟(ويميت الّتي لم تمت في منامها) إذ كيف يصحّ أنّ الّتي تمُت يُميتها في منامها؟!
وكما في قوله تعالى في سورة الأنعام:(وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيِهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ)[٣]; فإنّ توفّي الناس بالليل إنّما يكون بأخذهم بالنوم، ثمّ يبعثهم اللّه باليقظة في النهار; ليقضوا بذلك آجالهم المسمّاة، ثمّ إلى اللّه مرجعهم بالموت والمعاد.
وكما في قوله تعالى في سورة النساء:(حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ)[٤]; فإنّه لا يستقيم الكلام إذا قيل: يُميتهنّ الموت.
وحاصل الكلام أنّ معنى «التوفّي» في موارد استعماله في القرآن وغيره إنّما هو أخذ الشيء وافياً، أي تامّاً، كما يقال: درهم واف. وهذا المعنى ذكره اللغويّون لـ«التوفّي» في معاجمهم، وقالوا: إنّ توفّاه واستوفاه بمعنى واحد، وأنشدوا له قول
[١] آل عمران:٥٥.
[٢] الزمر:٤٢.
[٣] الأنعام:٦٠.
[٤] النساء:١٥.