تذكرة الاَعيان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٨
فقال: وإنّما لا يختار اللّه تعالى الظلم ولا يجوز عليه الظلم، لأنّه عالم بقبحه، مستغن عنه وعالم بغنائه عنه; وإنّما يختار القبيح من يختاره لجهله بقبحه، أو لحاجته إليه لدفع ضرر أو لجرّ نفع، أو لجهله باستغنائه عنه، و اللّه سبحانه منزّة عن جميع ذلك وعن سائر صفات النقص والعجز، ولم يذكر سبحانه الذرة ليقصر الحكم عليها، بل إنّما خصّها بالذكر لأنّها أقل ّ شيء ممّا يدخل في وهم البشر.[١]
٨
القرآن محدث
لقد أحدثت فكرة حدوث القرآن وقِدمَه في عصر المأمون العباسي جدالاً واسعاً، وانقسم المحدّثون والعلماء إلى طائفتين. فأهل الحديث وتبعهم الأشاعرة إلى أنّ القرآن قديم، والعدلية إلى أنّ القرآن حادث. ومن عجيب الأمر انّهم لم ينقحوا موضع النزاع وما هو المراد من القرآن الذي حكم عليه بالقدم أو الحدوث؟ فإن أرادوا به علم اللّه سبحانه، فلا شكّ انّه قديم لا يختلف فيه اثنان; وإن أرادوا به ألفاظه وقسطاً وافراً من معانيه، فلا شكّ انّها محدثة لكون الألفاظ والوضع حادث.
إنّ أهل الحديث والأشاعرة جعلوا للّه نداً من خلال تبنّيهم قدم القرآن، فلو قالت النصارى بالأقانيم والقدماء الثلاثة فانّ أهل الحديث حسب ظواهر كلماتهم ذهبوا إلى تعدّد القدماء حسب تعدّد نسخ القرآن.
[١] مجمع البيان:٣/٧٦.