تذكرة الاَعيان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤٧
عناءه.
وناهيك بما فاجأته به سلطة الاحتلال الفرنسي حين ضاقت به ذرعاً، إذ أوعزت إلى بعض جفاتها الغلاظ باغتياله. واقتحم ابن الحلاج عليه الدار في غرة، وهو بين أهله وعياله، دون أن يكون لديه أحد من أعوانه ورجاله، ولكن اللّه سبحانه وتعالى أراد له غير ما أرادوا، فكفّ أيديهم عنه، ثمّ تراجعوا عنه صاغرين يتعثرون بأذيال الفشل والهوان، وما كاد يذيع نبأ هذه المباغتة الغادرة في عاملة، حتى خفت جماهيرهم إلى صور، تزحف إليها من كلّ صوب وحدب، لتأتمر مع سيدها فيما يجب اتخاذه من التدابير إزاء هذا الحادث، غير أنّ السيد صرفهم بعد أن شكرهم، وأجزل شكرهم، وارتأى لهم أن يمروا بالحادث كراما.
ثمّ تلا هذا الحادث أحداث وأحداث اتّسع فيها الخرق، وانفجرت فيها شقّة الخلاف، حتى أدّت إلى تشريد السيد بأهله ومن إليه من زعماء عاملة إلى دمشق، وقد وصل إليها برغم الجيش الفرنسي الذي كان يرصد عليه الطريق، إذ كانت السلطة الغاشمة تتعقّبه بقوة من قواتها المسلحة لتحول بينه و بين الوصول إلى دمشق، وحين يئست من القبض عليه، عادت فسلّطت النار على داره في (شحور) فتركتها هشيماً تذروه الرياح، ثمّ احتلت داره الكبرى الواقعة في (صور) بعد أن أباحتها للأيدي الاثيمة، تعيث بها سلباً ونهباً، حتى لم تترك فيها غالياً ولا رخيصاً، وكان أوجع ما في هذه النكبة تحريقهم مكتبة السيد بكلّ ما فيها من نفائس الكتب واعلاقها، ومنها تسعة عشر مؤلفاً من مؤلفاته، كانت لا تزال خطية إلى ذلك التاريخ.