نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٣ - ١ العقل الباطن أو اللاوعي
والانحرافات السلوكية الّتي تمنع البيئة أو العادات والتقاليد من إظهارها، كعقدة التحقير، والكبر، والعجب، ونحو ذلك.
وهذه المكبوتات والروحيات تجتمع في أعماق النفس لتشكّل العقل اللاواعي للإنسان. وما دام الإنسان في حالات الوعي والشعور والاختيار، يكون العقل الواعي هو المتسلط على أفعاله، المانع لتلك المخفيات عن الظهور.
غير أنّ تلك السيادة، سيادة مؤقتة، تدوم مادام الوعي والإرادة مسيطرين، فإذا ارتفعا عنه، وقع أسير عقله الباطني من حيث لا يشعر، وانبثقت مكبوتاته وروحياته من مَكْمَنِها، فتتجلّى على أسارير وجهه، وفلتات لسانه، وتهورات جوارحه.
وأكثر ما تبرز مخفيات العقل الباطني، في حالتين:
الأولى ـ حالات غفوة العقل الظاهر، وكبوته، كحالة النوم والسكر وغيرها. ولذا يذكر الإنسان في حالة النوم ما لا يذكره في اليقظة، ويبدي في بعض حالاته ـ كحالات التنويم المغناطيسي ـ ما لا يبديه في يقظته، وما ذلك إلاّ لأنّ العقل الواعي كان مسيطراً على العقل الباطني في حال اليقظة، فإذا غفا ونام، سلبت سيادته، وتوقف في تلك اللحظات عن عمله، مفسحاً بذلك المجال أمام مخفيات العقل الباطن.
وهكذا في حال السكر، حيث تمحق ملكات التمييز والإرادة، فيقع السكران في نفوذ ضرب من الهذيان، تواكبه ثائرات زائفة، وكل ذلك من تجليات ما أُبطن في عقله.
الثانية ـ الحوادث النفسية، والمؤثّرات الروحية الخارجية، الّتي تخضع العقل الظاهر لتأثيرها الشديد، وتسلب عنه السيطرة الكاملة. كحالات الغضب، والحسد، والنزعات العاطفية، وتَوَهُّم العقاب أو الفضيحة وما شابه ذلك. فالحسود ـ مثلاً ـ إذا سمع مأثرة عن منافسة، يجرّ رداءه ـ بلا شعور ـ أو يحرّك سبحته بشدة أو غير ذلك من الحركات الّتي تبرز روحياته الباطنية.
إذا تبين ذلك نقول: إنّ العقل الباطن ليس شيئاً ملموساً ولا مشهوداً،