نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٦ - طوائف الأفكار الإنسانية الثلاث
ولا تنحصر الفطريات فيما مثّلنا بل هي تعمّ كل شيء لا يقع في إطار التجربة، كتصور الكمال والضرورة والكلية، فإنّها كلَّها يجدها العقل في ذاته وحدها، من دون أن يستمدها من الخبرة (التجربة).
وأوضح تعريف للفطريات ما ذكره ديكارت نفسه في بعض رسائله [١]، قال: «الأُمور الفطرية عبارة عن المعلومات البدائية الأصيلة الّتي نتوصل بها إلى سائر المعارف، وهي قليلة جداً». ثم ذكر أنّ الوجود، والعدد، والزمان، وامتداد الجسم، وتفكير النفس، والوحدة، هي من الأُمور الفطرية [٢]. وربما يسمّيها بالصفات الأولية.
٢. المحسوسات أو الصفات الثانوية: وهي أفكار طارئة تعبّر عن انفعالات خاصة للنفس بالمؤثرات الخارجية، كفكرة الصوت والرائحة، والضوء، والطعم، والحرارة، واللون.
فالفطريات كيفيات أوليّة حقيقية، وهذه الحسيّات كيفيات ثانوية لا تعبّر عن حقائق موضوعية، وإنّما تتمثل في انفعالات ذاتية. فهي صور ذهنية تتعاقب وتثور في دنيا الذهن بتأثير الأجسام الخارجية.
ويبدو أنّ ديكارت يسمّي الفطريات كلّها أو بعضها بالصفات الأوليّة، في مقابل المحسوسات الّتي يسمّيها بالصفات الثانوية. فهو يعتقد أنّا لا نستطيع أن نحصل إلاّ على قدر ضئيل من اليقين بهذه الصفات الثانوية. فأفكارنا عن هذه الصفات مشوشة وغامضة.
وبعبارة أُخرى: إنّ ديكارت يقسم صفات الجسم إلى قسمين: صفات أولية، كالشكل والامتداد والحركة، وهذه لا ينالها الإنسان عن طريق التجربة، ولها واقعية. وصفات ثانوية، وهي الصور الذهنية الّتي ينالها الإنسان غبّ اتّصاله بالخارج، كاللون والطعم والرائحة. وهو لا يقيم لهذه المعرفة اعتباراً علمياً، بل يقول بأنّ قيمتها في مقام العمل، بمعنى أنّ الإنسان يستفيد منها في حياته.
[١] المؤرخة بتاريخ ٢١ أيار ١٦٤٣ م .
[٢] الفلسفة العامّة، پول قولكييه: ٢٠٣ .