نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٠ - أ ـ أرباب النوع أو المثل الأفلاطونية
وهذا الفرد المجرّد يعبّر عنه بالموجود المثالي ورَبّ النوع، لكون وجوده أمثل وأكمل من الموجودات الماديّة، كما أنّ له شأنّاً بتربية أفراده، فأشبه أن يكون ربّها المدبر .
وقد وقعت هذه النظرية مَثاراً للبحث والنقاش، فبين قائل بها، آخذ بظاهرها وحرفيّتها من غير تصرف ولا تأويل، كما عليه الإشراقيون، فقالوا: يجب أن يكون لكل نوع من الأنواع البسيطة الفلكية [١] والعنصرية، ومركباتها النباتية والحيوانية، فرد مجرّد عن المادة، مُعْتَن في حق أفراد ذلك النوع، وهو صاحب ذلك النوع وربّه. واستدلّوا على ذلك بوجوه[٢] .
وبين مؤول لها كالشيخ الرئيس، فقال بأنّ المراد من الفرد المجرّد لكل نوع هو المفهوم الكلي الّذي يشترك فيه الأشخاص ويبقى مع بطلانها. وبعبارة أُخرى: الماهية المجرّدة عن اللواحق، القابلة للمتقابلات.
فأصبح الشيخ وقاطبة المشائيين منكرين للمثل بالمعنى الّذي يثبته الإشراقيون، ودارت بينهم مناظرات ومساجلات، إلى أن انتهى الأمر إلى صدر المتألهين، فأيّد نظرية المُثُل بحرفيتها، وقال: «الحريّ أن يُحمل كلام الأوائل على أنّ لكل نوع من الأنواع الجسمانية فرداً كاملاً في عالم الإبداع هوالأصل والمبدأ، وسائر أفراد النوع فروعٌ ومعاليل وآثار له. وذلك الفرد (المثالي) بتمامه وكماله، لا يفتقر إلى مادة ولا إلى محلّ متعلّق به، بخلاف هذه، فإنّها لضعفها ونقصها، مفتقرةٌ إلى مادة في ذاتها أو في فعلها. وقد تحقق في محله جواز اختلاف أفراد نوع واحد كمالاً ونقصاً».
وأضاف: «وما يُرَدُّ عليه من أنّ الحقيقة الواحدة كيف يقوم بعضها بنفسه وبعضها بغيره، ولو استغنى بعضها عن المحل لاستغنى الجميع; ليس بصحيح مطلقاً، فإنّ استغناء بعض الوجودات عن المحلّ إنّما هو بكماله، وكمالُه
[١] ذكروا الفلكية لأنّ الأفلاك كانت عندهم ذات حياة ونفس، فكان لكل فلك فردٌ آخر مجرد له شأن بتدبيره.
[٢] لاحظ للوقوف على تلك الوجوه: الأسفار: ٢ / ٥٣ ـ ٦٢ .