نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٦ - الشبهة الأولى ـ خطأ الحواس
بحلاوته، في حين أنّه لو تناول ملحاً ثم أكل بعده البطيخ، يشعر بحلاوته.
وعلى ضوء جميع ذلك، كيف يطمئنُّ الإنسان إلى ما يقف عليه من طريق الحس؟.
وقد ذكر القاضي الإيجي كثيراً من الأمثلة الّتي يغلط فيها الحسّ، قال: «إنّا نرى الصغير كبيراً، كالنار البعيدة في الظلمة، وكالعنب في الماء تُرى كالإجاصة، والخاتم المُقَرَّب من العين يرى كالحلقة الكبيرة. وبالعكس كالأشياء البعيدة. والواحد كثيراً كالقمر إذا نظرنا إليه مع غمض إحدى العينين، أو إلى الماء عند طلوعه، فإنّا نراه قمرين، وكالأحول، فإنّه يرى الواحد اثنين. وبالعكس، كالرّحى إذا أُخرج من مركزها إلى محيطها خطوط متقاربة بألوان مختلفة، بأنّها إذا دارت رؤيت كاللون الواحد الممتزج منها. والمعدوم موجوداً، كالسراب، وما يريه صاحب خفة اليد والشعبذة، وكالخط لنزول القطرة، والدائرة لإدارة الشعلة بسرعة. والمتحرك ساكناً، وبالعكس، كالظل يرى ساكناً وهو متحرّك، وكراكب السفينة يراها ساكنة والشط متحركاً. والمتحرك إلى جهة، متحركاً إلى خلافها، كالقمر سائر إلى الغيم حين يسير الغيم إليه، وإذا تحرّكنا إلى جهة، رأيناه متحركاً إليها، وإن تحرّك إلى خلافها. والشجر على الشط متنكّساً. والوجه طويلاً وعريضاً ومُعْوَجّاً بحسب اختلاف شكل المرآة»[١].
[١] وقد حاول تصحيح كلامهم بعد ذلك، فقال: ولعلّهم أرادوا أنّ جزم العقل ليس بمجرّد الحسّ، بل مع أُمور تنضم إليه، فتضطره إلى الجزم، لا نعلم ما هي؟ ومتى حصلت؟ وكيف حصلت؟ وإلاّ (أي إن لم يريدوا بالقدح في الحسيّات ما ذكرناه من التأويل) فإليها (أي إلى الحسيّات) تنتهي علومهم (المواقف: ١٥، ط عالم الكتب ـ بيروت).
يقول الشريف في شرح هذه العبارة: فيكون القدح الحقيقي فيها، قدحٌ في علومهم الّتي يفتخرون بها، وذلك لا يُتصوّر ممن له أدنى مِسْكة، فكيف مِنْ هؤلاء الأذكياء الأجلاء.
ثم بَيّن كيف تنتهي علومنا إلى الحسيّات، وأضاف بأنّ القدح في الحسيّات يؤول إلى القدح في البديهيّات. (شرح المواقف: ١ / ١٢٦).
وقد ذكر في المواقف شبهات أُخرى للقادحين في البديهيات، فمن أراد الاطّلاع فليلاحظ: ١٦، ١٩ .