نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٣٦ - تحليل هذه النظرية
وقد أشار إلى ذلك الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ بقوله: «لو أَنَّ الباطلَ خلص من مزاج الحق، لم يَخْفَ على المرتادين. ولو أَنَّ الحق خلص من الباطل، انقطعت عنه ألسنة المعاندين، ولكن يُؤخذ من هذا ضِغْثٌ ومن هذا ضِغْثُ، فُيمزجان»[١].
٣. لو صحّت هذه النظرية، لجاز لنا أن نطبق على حياة الإنسان كل ما نستشكفه من السنن الجارية في الطبيعة، وهذا يؤدّي إلى نتائج وخيمة لا يمكن أن يرضى بها عاقل.
مثلاً: لو وجب أن تكون الآيديولوجية إنعكاساً لما يجري في الطبيعة، لكان اللازم اتّخاذ ناموس تنازع البقاء وناموس الإنتخاب الطبيعي ـ الذين هما من الأركان الأربعة لنظرية النشوء والارتقاء في مذهب داروين [٢] (١٨٠٩ ـ ١٨٨٢ م) ـ أُسوة في الحياة.
ونتيجةُ اعتماد آيديولوجية محاكية لهذين الناموسين، هي لزوم إبقاء فتيل الفتن والحروب بين الضعفاء والأقوياء، مشتعلاً، بشكل دائم ومستمر، حتّى يتغلّب الأقوياء على الضعفاء. ولا لَوْم على أي مجرم يُشعل حرباً ضروساً، ويُهلكُ الحَرْث والنسل، ويعذِّبُ البشريةَ، ويدمر الحضارة لأنّ ذلك واجب: سنة عمليةً محاكيةً للسنة النظرية!!. هذا ما لا يقبله عاقل، ولا يرضاه ضميرٌ حيٌّ .
[١] نهج البلاغة، الخطبة (٥٠) .
[٢] Darwin. انكليزي .
والأُصول الأربعة الّتي بنى عليها نظريته في نشوء الكون وارتقائه هي:
[١] ناموس تنازع البقاء، ويعني أنّ هناك كفاحاً مستمراً بين أفراد الأحياء (أي الحيوانات) لأجل البقاء.
[٢] ناموس الإنتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح، ويعني أنّ من امتلك صفات تؤهله للغلبة والبقاء، كُتب له البقاء، ومن لم يمتلك ما يؤهله لذلك انقرض وفنى. وبهذا يؤدّي الإنتخاب الطبيعي، الّذي يحركه الصراع للبقاء، إلى بقاء الأصلح .
[٣] ناموس الوراثة، وهو انتقال الصفات بالوراثة إلى الأخلاف.
[٤] ناموس الملاءمة للبيئة، ويعني أنّ التغيّرات الحاصلة في الكائن الحي، تفرضها عليه البيئة.