نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧ - الجهة الثالثة ـ التعريف لا يشمل المعقولات الثانوية الفلسفية
عروض في الخارج، وإن كان الاتّصاف ـ أي اتّصاف زيد بالأُبوة ـ فيه، فيقال: هذا أب لذاك. وهذا هو المعقول الثانوي باصطلاح الفلسفة .[١]
وبذلك يظهر أنّ ها هنا مفاهيم كثيرة من هذا القبيل ليس لها شيء يحاذيها في الخارج، ومع ذلك تتصف الأشياء بها، وتلك كالشيئية والإمكان. فالشيئية العامة لا يحاذيها شيء، إذ لا يمكن أن يقال: هذه هي الشيئية. ومع ذلك، فالأشياء تتصف بها، فيقال: هذا شيء.
ومثلها الإمكان: فإنّ حقيقة الإمكان هي سلب ضرورة الوجود والعدم عن الماهية. والسلب أمر عدمي، لا يحاذيه شيء في الخارج، فلا يصحّ أن يقال: إنّ هذا الإمكان يعرض الماهية. ومع ذلك تتصف الماهية الموجودة، به. فيقال: الإنسان الموجود ممكن.
إذا علم هذا التقسيم، يتضح أنّ التعريف المزبور للعلم، كما لا يعم المعقولات الثانوية في اصطلاح المنطقيين، لا يعم المعقولات الثانوية في اصطلاح الفلاسفة، فإنّ حصول الصورة من الخارج، فرعُ أن يكون للعارض وجودٌ خارجيٌّ قابلٌ للدَرْك بإحدى الحواس الخمس، والمفروض خلافه، فإنّ الإنسان يقف على تلك المفاهيم بعمليات ذهنية خاصة، لا بانعكاسها من الخارج.
نعم، لو لم يكن للإنسان صلة بالخارج، لما أمكنه الوقوف على هذه المفاهيم، وهناك فرق بين كون صورة الشيء حاصلة من الخارج مباشَرَةً، وكَوْن الصلة بالخارج شرطاً أو معدّاً، تعطي النفس ذلك الإستعداد الخاص لانتزاع تلك المفاهيم. فالنفس في هذه المرحلة أشبه بالشجرة المثمرة، فإنّها تنتج الثمار من صميم ذاتها، وإن كانت صلتها بالخارج ـ كالشمس والأرض والمياه ـ تعطيها الاستعداد لإنتاج تلك الثمار.
***
[١] أما تسميتها بالثانوية، فلأنّها لا تعقل إلاّ وقد عُقل قبلها شيء آخر هو المعروض، أعني الذات المتّصفة بالأُبوة في هذا المثال، أو بالشيئية والإمكان في المثالين الآيتين.