نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢٠ - شبهات وأجوبتها
كان كذباً، وما ذاك إلاّ لأنّ الأول مطابق للواقع المتحقق في ظرفه، والآخر مخالف له.
وكون شيء غير موجود في زمان الإدراك لا يجوّز إنكار وجوده مطلقاً حتّى في ظرفه.
فالإنسان الحاكم بالحكم في قضية تاريخية، يعطف نظره إلى الوقائع السابقة المندثرة، فيحكي عنها حكاية صادقة أو كاذبة[١].
الشبهة الرابعة: إنّ هذا التعريف ينبع من النظر إلى الكون نظرة جامدة فيتخيل أنّ عالم الطبيعة جامد، وثابت غير متغير، ولذلك عرفوا الحقيقة بأنّها عبارة عن مطابقة الذهن للعين.
وأمّا على القول الّذي تتبناه الفلسفة الديالكتيكية من أنّ الكون لما يزل متبدلاً متغيّراً، وأنّه لا يبقى على حالة واحدة، فكيف يمكن أن يكون ملاك الحقيقة تطابق الذهن والعين، فإنّ العين يذهب أو يتغّير ويتبدّل ولا يبقى حتّى تطابقه القضية الموجودة في الذهن.
والجواب عنها بوجهين:
١. لو صحّ هذا الإشكال، للزم بطلان جميع القضايا الحاكية عن الخارج، إذ لا شكّ أنّ هناك قضايا علمية وعرفية يريد الإنسان بها شرح الخارج وبيانه، فلو كان الخارج على وجه لا يستطيع الذهن أن يحكم عليه بشيء، للزم بطلان كل الأحكام الصادرة عن الإنسان، لأنّ كل موضوع يتبدل قبل الحكم عليه. فلامعنى لقولنا ـ مثلاً ـ : هذه التفاحة طيبة الرائحة، لو فرضنا تغيّر الموضوع وتبدّله.
٢. إنّ التحول والتغيّر، ليس بمعنى تبدّل الخارج إلى موضوع مغاير له من جميع الجهات، وإنّما التغيّر في الطبيعة الثانية أشبه بتعاقب الأمثال. فالتفاحة
[١] هذه الإشكالات الثلاثة ذكرها «فيليسين شاله» في كتابه «الفلسفة العلمية»، الفصل العاشر في قيمة العلوم وحدودها: ٢٢٣ .