نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٧ - أ ـ نظرية الفلسفة العلمية في تعدد مراحل المعرفة
كما أنّ البحث عن عوارض الموجود الحيّ المادي، سواء أكان راجعاً إلى الإنسان أم الحيوان أم النبات، بحث علمي طبيعي. وهكذا كل الأبحاث العلمية الّتي تأخذ لنفسها موضوعاً مادياً وتبحث عن عوارضه، فهي كلها بحوث علمية حتّى ولو انتزع من الكل قانون عام يشمل أكثر العلوم أو جميعها، كالتكامل، فإنّه نتيجة العلوم المتنوعة، وليس نتيجة العلوم إلاّ نفس العلوم لا غير.
وأمّا المسائل الفلسفية فهي عبارة عمّا يأخذ لنفسه موضوعاً عامّاً غير متقيِّد بحيثية طبيعية أو تعليمية، بل تبحث عن الموجود بما هو هو، فتقول :
الموجود إمّا واجب، أو ممكن.
والممكن إمّا جوهر، أو عرض.
والجوهر إمّا نفس، أو عقل، أو جسم، أو صورة، أو هيولي.
والعرض إمّا كم، أو كيف، أو وضع، أو فعل، أو انفعال، أو أين، أو متى، أو ملك، أو إضافة.
إلى غير ذلك من التقسيمات الواردة على الموجود من حيث هو هو، حتّى قولنا: الموجود إمّا علة أو معلول، وغير ذلك من الأحكام العارضة على الموجود من حيث هو هو، من دون أن يتقيّد بحيثية طبيعية أو تعليميّة.
وبذلك تظهر رئاسة المسائل الفلسفية على العلوم لأنّ العلوم في إثبات موضوعاتها، محتاجة إلى الفلسفة، كإثبات الكم في الحساب والهندسة، كما يظهر أن تغير العلوم وتبدل الفروض العلمية لا يغيّر شيئاً في المسائل الفلسفية فإنّ قولنا: كل ممكن يحتاج إلى علّة، أو: إنّ واجب الوجود غني عن العلّة، مسائل ثابتة لا يزعزعها تغيّر الفروض العلمية وتبدّلها.
نعم، مَنْ جعل المسائل الفلسفية منتزعة من العلوم، جعلها مسائل متزلزلة غير يقينية لتبعيّتها لمسائل العلوم الّتي هي بدورها في مهبّ التغيّر والتبدّل.
***