نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٢ - سؤال وجواب
التغيرات الذاتية في الدماغ، ليتولد منهما العلم، فغاية ما يسلب عن الصورة هو السذاجة والصرافة. وما ذكر في نقد هذه النظرية من أنّ الأثر المتولد من المادتين لا يخبر عن الواقعية الخارجية، صحيح على وجه وباطل على وجه.
فهو صحيح إنْ أُريد منه نفي العلم المطلق، بالخارج المطلق، أي نفي العلم الّذي لم يتطرق إليه التصرف. ولكنه لا يضر بالمادي المتبني للمنهج الديالكتيكي، فإنّ المادة ـ خارجية كانت أو دماغية ـ متحولة متغيرة. فكون العلم مغايراً لمعلومه، بهذا المعنى، لا يضر .
وباطلٌ إن أُريد منه نفي العلم النسبي، بل هو ثابت، ولأجل ذلك يستمد الإنسان منه في حياته، ويرفع به حاجاته .
الجواب:
أولاً: إنّ الماديّ ـ في الوقت الّذي يحاول فيه أن ينفي العلم المطلق ـ يُثبت علماً مطلقاً، وهو أنّه ليس لنا علم مطلق بالأشياء والواقعيات الموضوعية، بل علومنا كلها علوم نسبية. فإنّا نسأله، هل هذا نفي مطلق أو نفي نسبي؟. فإن اعترف بالأول، فقد اعترف ـ وهو يحاول نفي العلم المطلق ـ بعلم مطلق، ولو في مورد واحد. وإن قال: إنّه نسبي، فلا يضرّ ذلك، الإلهيين القائلين بإطلاق الإدراكات والعلوم، إذ نفي إطلاق العلوم والإدراكات، بالنفي النسبي، غير القول بأنّ جميع العلوم والإدراكات نسبية قطعاً وعلى وجه الإطلاق، بل هو اعتراف بكونها علوماً مطلقة.
وثانياً: إنّ الاعتراف بالعلم النسبي، إقرارٌ بالعلم المطلق أولاً، قبل توصيفه بالنسبي ثانياً. فيستلزم تعقل النسبية، تعقّل المطلق من الموجود الذهني والخارجي.
وبعبارة أُخرى: إنّ قول القائل: «كلُّ ما نتصوره ونتعقّله هو علم وتعقّل نسبي»، اعتراف بأمرين: اعتراف بالموصوف، وهو أنّه علم. واعتراف بوصفه، وهو أنّه نسبي. والاعتراف بالوصف غير الاعتراف بالموصوف، فإنّه في