التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٧ - التفسير بالرأي
بعض الوعّاظ في المقاصد الصحيحة؛ تحسينا للكلام، و ترغيبا للمستمع، و هو ممنوع؛ لأنّه قياس في اللغة، و ذلك غير جائز، و قد تستعمله الباطنيّة[١] في المقاصد الفاسدة، لتغرير الناس و دعوتهم إلى مذاهبهم الباطلة، فينزّلون القرآن على وفق رأيهم و مذهبهم، على أمور يعلمون قطعا أنّها غير مرادة.
فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي.
الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربيّة، من غير استظهار بالسماع و النقل، فيما يتعلّق بغرائب القرآن، و ما فيه من الألفاظ المبهمة و المبدلة، و ما فيه من الاختصار، و الحذف و الإضمار، و التقديم و التأخير. فمن لم يحكم ظاهر التفسير، و بادر إلى استنباط المعاني بمجرّد فهم العربيّة، كثر غلطه، و دخل في زمرة من فسّر القرآن بالرأي. و النقل و السماع لا بدّ له منهما في ظاهر التفسير، أوّلا ليتّقي بهما مواضع الغلط، ثمّ بعد ذلك يتّسع الفهم و الاستنباط. و الغرائب التي لا تفهم إلّا بالسماع كثيرة، و لا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ألا ترى أنّ قوله تعالى: وَ آتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها[٢] معناه: آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها. فالناظر إلى الظاهر يظنّ أنّ الناقة كانت مبصرة، فهذا في الحذف و الإضمار، و أمثاله في القرآن كثير[٣].
و هذا الذي ذكره القرطبي و شرحه شرحا وافيا، و من قبله الإمام الغزالي، هو الصحيح في معنى الحديث، و أكثر العلماء عليه، بل و في لحن الروايات الواردة عن الرسول صلّى اللّه عليه و اله ما يؤيّد إرادة هذا المعنى؛ نظرا للإضافة في «رأيه»، أي: رأيه الخاصّ، حيث يحاول توجيهه بما يمكن من ظواهر القرآن حتّى و لو استلزم تحريفا في
[١] . من أهل التصوّف.
[٢] . الإسراء ١٧: ٥٩.
[٣] . تفسير القرطبي ١: ٣٢- ٣٤. و قد أخذه اقتباسا من كلام الإمام أبي حامد الغزالي في إحياء علوم الدين ١: ٢٩٨ الباب الرابع في فهم القرآن و تفسيره بالرأي.