التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٨ - المجاز في القرآن و مدى صلته بمسألة التأويل
و القرآن ملؤه الاستعارة و الكناية و المجاز، و بحقّ تعدّ استعارات القرآن من أبدع و أبرع و أروع الاستعارات التي عرفته العرب.
قال ابن رشيق: «الاستعارة هي أفضل أنواع المجاز، و أوّل أبواب البديع. و ليس في حلى الشعر أعجب منها، و هي من محاسن الكلام إذا وقعت موقعها و نزلت موضعها»[١].
و هي من التوسّع في الكلام و التفنّن فيه، مفيضا عليه ملامح الإدلال و الاستدلال، بما فيه من التشبيه و التخييل و روعة التمثيل.
و في الاستعارة نوع من المبالغة القريبة، فيها أناقة و لطف، تقرّب المعنى و توضّحه بما فيه من التشبيه و التمثيل، و تكسوه جمالا و روعة، بما فيه من التصوير و التخييل.
فكانت الاستعارة في الكلام أناقة في التصوير، و إجادة في التعبير.
و قد حصر الشيخ عبد القاهر الجرجاني أسرار البلاغة، و دلائل إعجاز البيان، في فنون التشبيه و التمثيل و الاستعارة[٢].
قال: «قد أجمع الجميع على أنّ الكناية أبلغ من الإفصاح، و التعريض أوقع من التصريح. و أنّ للاستعارة مزيّة و فضلا، و أنّ المجاز أبدا أبلغ من الحقيقة».
قال: «و أمّا الاستعارة فسبب ما ترى لها من المزيّة و الفخامة، أنّك إذا قلت: رأيت أسدا، كنت قد تلطّفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة، حتّى جعلتها كالشيء الذي يجب له الثبوت و الحصول، و كالأمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوده. و ذلك أنّه إذا كان أسدا فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة، و كالمستحيل أو الممتنع أن يعرّى عنها. و إذا صرّحت بالتشبيه فقلت: رأيت رجلا كالأسد، كنت قد أثبتّها إثبات الشيء، بترجّح[٣] بين أن يكون و بين أن لا يكون، و لم يكن من حديث
[١] . العمدة لابن رشيق ١: ٢٦٨ باب ٣٧.
[٢] . فقد وضع كتابه« أسرار البلاغة» في ضروب التشبيه و أنواع الاستعارات فحسب.
[٣] . أي يتأرجح و يتذبذب.