التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٥ - حديث عجيب عن روعة بلاغة الآية!
هذا، و قد تهافت في كلامه تهافتا بيّنا، و لا غرو فإنّه متفتّت الفكر، مضطرب في حديثه.
و قوله: «و إطلاق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع ..» إلى آخر كلامه، قد أخذه أخذا بالنصّ من كلام الزمخشري[١]، و كان قد عدّ مثل هذا التعبير كناية و استعارة للين الجانب، قال في قوله تعالى: وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[٢]: «الطائر إذا أراد أن ينحطّ للوقوع، كسر جناحه و خفضه، و إذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحيه، فجعل خفض الجناح مثلا للتواضع و لين الجانب، و منه قول بعضهم:
|
و أنت الشهير بخفض الجناح |
فلا تك في رفعه أجدلا[٣] |
|
ينهاه عن التكبّر بعد التواضع ..»[٤].
نعم، إنّه تشبيه بفرخ الطائر يتضرّع لأمّه و هي تغذّيه، ضراعة المسترحم المحتاج إلى عناية والديه، فيخفض لهما جناح التذلّل، تذلّلا ناشئا عن الرحمة لهما، و ليس عن رهبة.
و في ذلك تذكار عن الدور الطفوليّ الذي قضاه متذلّلا محتاجا إلى شفقة والديه و رحمتهما الخالصة، فالآن فليقابل بالمثل أداء للشكر الواجب عليه.
و في مثل هذا التصوير الرائع، تجسّدت كلّ عناصر الرأفة و الرحمة، و التعاطف المتقابل بين الولد و والديه، فيا له من درس و أدب، و توثيق من أواصر الأسرة في
[١] . انظر الكشّاف ٢: ٦٥٨.
[٢] . الشعراء ٢٦: ٢١٥.
[٣] . قال أحمد منير في الهامش: شبّه بطائر يرقّ لأفراخه و يخفض إليها جناحه رحمة لها؛ فاستعار خفض الجناح لذلك على سبيل التمثيل، و رشّحه بقوله:« فلا تك في رفعه أجدلا» أي: شبيها بالأجدل، و هو الصقر في القسوة و الجفوة، أو في التكبّر و الترفّع .. قال: و يجوز أن يكون خفض الجناح كناية عمّا يلزمه من الرقّة و الرحمة و اللين، و رفعه كناية عن القسوة و الجفوة .. قال: و بين الخفض و الرفع طباق التضادّ ..
[٤] . الكشّاف ٣: ٣٤٠- ٣٤١.