التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٢ - نظرة في صفات الذات
كما و يذهب شليرماخر إلى أنّ مهمّة المفسّر هو الوصول إلى فكرة المؤلّف، و التي اختلج في باله و أدلى به عبر النصّ إلى القارئين، ليكون دور الناقد و المفسّر دور الكاشف النابه، و الذي يسعى بكلّ جهده وراء العثور على حقيقة المراد من النصّ، سعيا على أصول و قواعد تمهّد له سبيل الكشف.
و من أهمّ هذه القواعد هي معرفة الفضاء الذي عاشه المؤلّف، و الذي تجاوبت معه شخصيّته الثقافيّة و الفكريّة، حتّى يمكن النفاذ من خلال هذه الفرجة إلى ذهنيّة المؤلّف و الأفكار التي كانت تخالج باله.
فعليه أن يجتاز الفجوة التي بينه و بين المؤلّف، و يجعل نفسه في مثل الظروف و الشرائط التي اكتنفت المؤلّف في ظرفه الخاصّ، و من خلال ذلك المنظر فليشاهد العلاقة الرابطة بين المؤلّف و النصّ بوضوح.
الأمر الذي اصطلح عليه «علم الأصول» بقرائن الأحوال، و هي شواهد زمنيّة عاصرت صدور النصّ في ظرفه الخاصّ، و اصطلح عليه المفسّرون بمعرفة أسباب النزول، و لولاها لما أمكن فهم كثير من آي القرآن المرتبطة بمناسبات و مؤاتيات كانت قيد التاريخ.
و توضيحا لهذا الجانب- و على ضوء قواعد علم الأصول- نقول: إنّ للألفاظ الموضوعة دلالة ذاتيّة يعيّنها الوضع اللغوي أو العرف الخاصّ، فإذا قرع سمعك لفظ، و أنت تعرف وضعه اللغوي أو ما تعارف عليه أهل العرف، فإنّ المعنى الموضوع له يتبادر إلى ذهنك لا محالة، و مع غضّ النظر عمّا يختلج ببال لافظه.
و مثل هذه الدلالة الذاتيّة للألفاظ- بما أنّها دلالة لغويّة بحتة- لا تفي علاجا لمعرفة مراد المتكلّم، مراده الجدّي، ما لم ترفقها أصول[١] تنفي احتمال الخلاف، و ذلك حيث لا تكون هناك قرائن حاليّة أو مقاميّة توجب صرف الكلام عن ظاهره
[١] . هي أصول و ضوابط تكفّل بيانها مباحث حجّية الظهور في علم الأصول.