التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٣ - لغة الوحي و مسألة قراءة النص
البدائي، و من ثمّ كانت معرفة الفضاء الذي صدر الكلام في ظلّه ضرورة لإمكان فهم النصّ فهما صحيحا، و مستندا إلى ضوابط معرفة الكلام.
هذا، و لا سيّما النصّ القرآني كانت له شاكلته الخاصّة، هي شاكلة خطاب لا شاكلة كتاب[١]، و أسلوب الخطاب يعتمد أحيانا و ربّما أكثريا على شواهد الأحوال- و هي المناسبات التي استدعت صدور مثل هذا النصّ- ممّا يقضي بضرورة الوقوف عليها؛ لإمكان فهم النصّ و البلوغ إلى مغزاه.
فالاكتفاء بمدلول النصّ اللغوي، بعيدا عن ملاحظة شواهد الأحوال و المناسبات المعاصرة لنزول القرآن مجازفة خطيرة، ربّما أدّت إلى التحميل على القرآن، و كونه تفسيرا بالرأي.
لغة الوحي و مسألة قراءة النصّ:
هناك رابطة ذاتيّة بين معرفه لغة الوحي و مسألة تأويل النصّ. و هل كان هناك إجمال أو إبهام في لغة الوحي ليعتوره تداور و تدافع في فهمه، أم كان هناك جلاء و وضوح في البيان، كان يسهل تناوله، و يسبر غوره لدى التدبّر و الإمعان؟!
لا شكّ أنّ لغة الوحي لغة العرف العامّ: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ[٢]، فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ[٣]، وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ[٤]، قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[٥].
[١] . لكلّ من الشاكلتين مميّزاتها الخاصّة- تعرّضنا لها في مجال سابق- و كان من المميّزات الشاخصة لأسلوب الخطاب: الاعتماد على قرائن خارجيّة يعهدها المخاطب، أمّا أسلوب الكتاب فيقضي بإرداف شواهد الدلائل مع النصّ، و في متناول القارئ أينما حلّ و ارتحل عبر الأزمان.
[٢] . إبراهيم ١٤: ٤.
[٣] . الدخان ٤٤: ٥٨.
[٤] . القمر ٥٤: ١٧.
[٥] . الزمر ٣٩: ٢٨.