التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٦ - حديث عجيب عن روعة بلاغة الآية!
أعمق جذورها! فيا لها من روعة أغفلها أصحاب الجمود!
قال سيّد قطب: «و بهذه العبارات النديّة، و الصور الموحية، يستجيش القرآن الكريم وجدان البرّ و الرحمة في قلوب الأبناء. ذلك أنّ الحياة- و هي مندفعة في طريقها بالأحياء- توجّه اهتمامهم القويّ إلى الأمام، إلى الذرّيّة، إلى الناشئة الجديدة، إلى الجيل المقبل، و قلّما توجّه اهتمامهم إلى الوراء: إلى الأبوّة، إلى الحياة المولّية، إلى الجيل الذاهب!
و من ثمّ تحتاج النبوّة إلى استجاشة وجدانها بقوّة، لتنعطف إلى الخلف، و تتلفت إلى الآباء و الأمّهات ..
إنّ الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد، إلى التضحية بكلّ شيء حتّى بالذات. و كما تمتصّ النابتة الخضراء كلّ غذاء في الحبّة فإذا هي فتات، و يمتصّ الفرخ كلّ غذاء في البيضة فإذا هي قشر؛ كذلك يمتصّ الأولاد كلّ رحيق و كلّ عافية و كلّ جهد و كلّ اهتمام من الوالدين، فإذا هما شيخوخة فانية- إن أمهلهما الأجل- و هما مع ذلك سعيدان!
فأمّا الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كلّه، و يندفعون بدورهم إلى الأمام، إلى الزوجات و الذرّية .. و هكذا تندفع الحياة ..
و من ثمّ لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء، إنّما يحتاج هؤلاء إلى استجاشة وجدانهم بقوّة، ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كلّه حتّى أدركه الجفاف ..»[١].
و قال الشريف الرضيّ في قوله تعالى: وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ[٢]: «هذه استعارة، و المراد بها: ألن كنفك لهم، و دم على لطفك بهم .. و جعل تعالى خفض الجناح هاهنا في مقابلة قول العرب إذا وصفوا الرجل بالحدّة عند الغضب: قد طار
[١] . في ظلال القرآن ١٥: ٢١- ٢٢.
[٢] . الحجر ١٥: ٨٨.