التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤١ - حديث عجيب عن روعة بلاغة الآية!
صفات الكمال و الجمال عن ذاته تعالى .. فقالوا: لا يد، و لا استواء، و لا نزول، و نحو ذلك في كثير من آيات الصفات .. نظرا لأنّ حقائق هذه الصفات غير مرادة عندهم، بل هي مجازات، فاليد مستعملة- عندهم- في النعمة أو القدرة، و الاستواء في الاستيلاء، و النزول نزول أمره، و نحو ذلك .. فنفوا هذه الصفات (حقيقة اليد و الاستواء و النزول) الثابتة بالوحي، نفيا عن طريق القول بالمجاز، و ارتكاب التأويل ..».
قال: «مع أنّ الحقّ الذي هو مذهب أهل السنّة و الجماعة إثبات هذه الصفات (بحقائقها حسب ظاهر التعبير) حيث أثبتها اللّه تعالى لنفسه، و يلزم الإيمان بها من غير تكييف[١] و لا تشبيه[٢]، و لا تعطيل و لا تمثيل»[٣].
ثمّ أخذ في توجيه ما ورد في القرآن تعبيرا مجازيّا، بأنّها من أساليب اللغة المتعارفة عند العرب، و جرى عليها القرآن، حيث نزل بلسانهم.
مثلا قوله تعالى: فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ[٤]، حيث التعبير بالإرادة هنا كناية عن الإشراف على الانقضاض. قال الزمخشري: استعيرت الإرادة للمداناة و المشارفة، كما استعير الهمّ و العزم لذلك. قال الراعي[٥]:
[١] . أي من غير تعيين الكيفيّة .. فيقال: عالم بلا كيف. قادر بلا كيف. مريد بلا كيف .. و هذا مذهب الأشاعرة و لذلك سمّوا: أصحاب البلكفة. راجع: التمهيد ٣: ٩٤، و الكشّاف ٢: ١٥٦.
[٢] . أي إيمانا بلا معرفة ذات الوصف، فلا يستدعي تشبيها و لا تمثيلا، كما هو بعيد عن القول بالتعطيل. و هذا الإيمان العاري عن المعرفة، هو الذي تجنّبه أصحاب العرفان، فعرفوا من هذه الصفات أنّها تعابير تنمّ عن حقيقة هي بمعزل عن المتفاهم العامّ، و ليكون مجازا في المصطلح، فهي حقائق ثابتة كما أثبتها اللّه، و لكن لا بهذا المعنى المتعارف التي يطلق على غيره تعالى، بل بمعنى هو أدقّ و أرقّ، و متناسبا مع ذاته المقدّسة، الآبية عن الاقتران و التركيب و التشبيه.
[٣] . منع جواز المجاز: ٣٦- ٣٨.
[٤] . الكهف ١٨: ٧٧.
[٥] . و هو أبو جندل عبيد بن حصين النميري الشاعر من فحول الشعراء الإسلاميّين.