التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٢ - الفائدة و الهدف المرجو من هذا البحث و منهجه
٥- واضح من كلّ ما سبق، و من مجمل الآيات: أنّ النبوّة كانت في مأزق، فالنبوّة وعد بها إبراهيم في نسله- و ليس في أتباعه- و واضح أنّ زكريّا كان آخر سلالة إبراهيم و يعقوب من الذكور حتّى ذلك الحين (و معروف أنّ النبوّة لا تكون إلّا في الذكور).
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا* قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا* قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً* قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا* فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا* يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا* وَ حَناناً مِنْ لَدُنَّا وَ زَكاةً وَ كانَ تَقِيًّا* وَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ وَ لَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا* وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا[١].
و كانت رحمة اللّه بعبده زكريّا أن أجابه لسؤاله، و رزقه الوريث، لا وريثا لملك الدنيا، بل وريثا للنبوّة، لتنمو شجرة الأنساب و تمتدّ، و تخرج شجرة النبوّة من غياهب وتيه الأزمة و المأزق الذي كان يهدّدها بانقراض النسل المستحقّ للنبوّة، و يتهدّد وعد اللّه لإبراهيم، فوهبه اللّه صبيّا فيه ما يميّزه عن غيره:
١- الصبيّ يولد و يعطى اسما لم يسمّ به أحد من قبل.
٢- أوتي الكتاب و الحكمة و هو ما زال صبيّا، و معروف أنّ النبوّة تكون بعد سنّ الرشد، و للّه في ذلك حكمته: ربما لبلوغ زكريّا شيخوخة أعجزته، أو ربما وافته المنيّة بعد ذلك بقليل، و موقف الأتباع محتاج إلى الموجّه و المرشد.
٣- و أوتي يحيى إيمانا قويّا و عظيما من اللّه، و كان سيّدا و حصورا، أي أنّه
[١] . مريم ١٩: ٧- ١٥.