التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٧ - المجاز في القرآن و مدى صلته بمسألة التأويل
فيصحّ سلب المعنى الحقيقي للأسد- و هو الحيوان المفترس- عنه، فيقال: ليس أسدا بذاك المعنى الأصل، بل هو مشابه له في الجرأة و الشجاعة[١].
و هذا لا يعني: أنّ المعنيّ بهذا اللفظ أمر وهميّ خياليّ، بل هو موجود، ذات تشخّص عينيّ خارجيّ، الأمر الذي هو حقيقة عينيّة في مصطلح الفلسفة.
فالقول بالمجاز لا يعني نفي الحقيقة العينيّة، كما توهّمه هؤلاء، و إنّما هو نفي للحقيقة بمصطلح علماء البيان خاصّا.
إذن فكلّ تعابير القرآن تنبؤك عن حقيقة واقعة لا ريب فيها، هذا من غير فرق بين أساليب الأداء، إن حقيقة أو مجازا، أو كناية أو استعارة، أو غيرها من أساليب الكلام البارعة، فكلّها تنمّ عن حقائق الأعيان، بعيدا عن الخيلان و الأوهام.
فقول ابن عربيّ: إنّا ننفي أن يكون في القرآن مجاز، بل في كلام العرب[٢] .. إن أراد إثبات الحقيقة بمعناه الفلسفي، فهذا أمر لا ينكر، و لا منازع له، و إن أراد الحقيقة بمعناها البلاغي، أي المعنى الموضوع له الأصل، فهذا شيء لا يعرف و لا مجال للالتزام به، بل هو خلاف الوجدان و المرتكز في الأذهان. فقولة الشاعر:
|
و إذا المنيّة أنشبت أظفارها |
ألفيت كلّ تميمة لا تنفع |
|
استعارة تخييليّة، حيث أضمر تشبيه المنيّة بالسبع الضاري، و دليلا على هذا التشبيه المضمر أثبت للمشبّه ما يخصّ المشبّه به و هي الأظفار، و هذا ما يسمّى عندهم بالترشيح.
و من المعلوم بضرورة الوجدان أنّ المنيّة لا أظفار لها، و جاء ذكرها رمزا إلى ذاك التشبيه المضمر في النفس.
[١] . قال زهير:
|
لدي أسد شاكي السلاح مقذّف |
له لبد أظفاره لم تقلّم |
|
[٢] . الفتوحات المكّيّة ١: ٢٥٣.