التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٣ - المجاز في القرآن و مدى صلته بمسألة التأويل
قال ابن عربي: «الذي ينبغي من الكلام هو أن لا يقدّر فيه محذوف إلّا عند الحاجة إليه و لا بدّ، لاختلال في المعنى بدونه .. و أن لا ينتقل في الكلمة من الحقيقة إلى المجاز إلّا بعد عدم إمكان حملها على الحقيقة»[١].
قال: «و كلام العرب مبنيّ على الحقيقة و المجاز عند الناس و إن كنّا خالفناهم في هذه المسألة بالنظر إلى القرآن، فإنّا ننفي أن يكون في القرآن مجاز، بل في كلام العرب[٢] عند المحقّقين من أهل الكشف و الشهود. و أمّا من حيث النظر و الاعتبار فيجري مجرى العرب في كلامها من استعارات و مجاز، بأدنى شبهة و أيسر صفة، ففي القرآن من هذا القبيل كثير؛ إذ القرآن نزل على لغة العرب، كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «و إنّما أنزل القرآن بلساني لسان عربيّ مبين ..» قال: «و على هذا يفرّق بين التفسير على الحقيقة لأهل الكشف و الشهود، فلا مجاز عندهم، و بين التفسير لأهل النظر و الاعتبار بالأفكار، فهو على مجرى لسان العرب، فيكون فيه المجاز»[٣].
و قد راقت بعضهم روعة هذا الكلام- فيما حسبوا- و راحوا يحاولون إنكار وجود المجاز في القرآن. قال قائلهم: نعتقد أنّ جميع التعابير الواردة في القرآن تعابير حقيقيّة، تعبّر عن معانيها الأصيلة، لا تجوّز فيها و لا استعارة و لا تخييل[٤]؛ نظرا لأنّ القرآن نزل هداية للناس، فيجب أن يكون ذا دلالة ظاهرة، لا غموض فيها و لا تعقيد ذاك الغموض و التعقيد الذي يستدعيه المجاز و الاستعارة ..» ثمّ أخذ يعدّد محاذير القول بوجود المجاز في القرآن.
منها: أنّ احتمال المجاز في القرآن يوجب سقوطه عن الحجّيّة، حيث الإبهام في
[١] . إعجاز البيان في الترجمة عن القرآن، المطبوع بهامش( رحمة من الرحمان) لمحمود محمود الغرّاب ١: ٣٣٤ ذيل الآية: ٢٢٢ من سورة البقرة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ...
[٢] . راجع كلامه في الفتوحات المكّيّة ١: ٢٥٣.
[٣] . رحمة من الرحمان ١: ١٤. و انظر علوم القرآن عند المفسّرين ١: ١.
[٤] . انظر تفسير روشن لحسن مصطفوي ٢: ٨.