التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٨ - أوجه التفسير
أنّ «لا» موضوعة في اللغة للنفي و «إلّا» للإثبات، و أنّ مقتضى هذه الكلمة الحصر.
و يعلم كلّ أحد بالضرورة أن مقتضى قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ[١] و نحوها من الأوامر، طلب إدخال ماهيّة المأمور به في الوجود و إن لم يعلم أن صيغة «أفعل» مقتضاها الترجيح وجوبا أو ندبا. فما كان من هذا القسم لا يقدر أحد أن يدّعي الجهل بمعاني ألفاظه؛ لأنّها معلومة لكلّ أحد بالضرورة.
و الثالث: ما لا يعلمه إلّا اللّه تعالى، فهو يجري مجرى الغيوب، نحو الآي المتضمّنة قيام الساعة، و نزول الغيث، و ما في الأرحام، و تفسير الروح، و الحروف المقطّعة.
و كلّ متشابه في القرآن عند أهل الحقّ، فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره، و لا طريق إلى ذلك إلّا بالتوقيف، من أحد ثلاثة أوجه: إمّا نصّ من التنزيل، أو بيان من النبيّ صلّى اللّه عليه و اله، أو إجماع الأمّة على تأويله. فإذا لم يرد فيه توقيف من هذه الجهات، علمنا أنّه ممّا استأثر اللّه تعالى بعلمه».
قلت: و هذا إنّما يصدق بشأن الحروف المقطّعة، فإنّها رموز بين اللّه و رسوله، لا يعلم تأويلها إلّا اللّه و الرسول، و من علّمه الرسول بالخصوص.
قال: «و الرابع: ما يرجع إلى اجتهاد العلماء، و هو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل، و هو صرف اللفظ إلى ما يؤول إليه. فالمفسّر ناقل، و المؤوّل مستنبط؛ و ذلك استنباط الأحكام، و بيان المجمل، و تخصيص العموم. و كلّ لفظ احتمل معنيين فصاعدا، فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه؛ و على العلماء اعتماد الشواهد و الدلائل، و ليس لهم أن يعتمدوا مجرّد رأيهم فيه».
ثمّ أخذ في بيان كيفية الاجتهاد و استنباط الأحكام من ظواهر القرآن، عند اختلاف اللفظ أو تعارض ظاهرين، بحمل الظاهر على الأظهر، و ترجيح أحد معنيي المشترك، و ما إلى ذلك ممّا يرجع إلى قواعد (علم الأصول).
[١] . البقرة ٢: ٤٣.