التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥١ - نظرة في صفات الذات
و هذا مفهوم انتزاعي، انتزعه العقل من مقام الذات المقترن بصفة كذا. فقد لاحظ أوّلا نفس الذات، ثمّ لاحظ معه انضمام الصفة، و من هذين اللحاظين حصل لديه مفهوم انتزاعي ذات تركيب اقتراني.
نعم، هذا تحليل عقليّ بحت، و لا صلة بينه و بين ما لحظه واضع اللغة، أو لحظه عرف الاستعمال. فلا الواضع الأوّل و لا المستعملون من أهل العرف لحظوا شيئا ممّا حلّله العقل النظريّ الذي قام به أهل النظر في علم الكلام.
فوصف «العالم» لدى أهل اللغة و العرف العامّ، إنّما يدلّ على مفهوم بسيط، لا تركيب فيه و لا اقتران، أي الذي يحضره الشيء و لا يغيب عنه، فمن حضره شيء و لم يغب عنه فقد عرفه و علم به، و هذا المعنى بالمفهوم السلبي أشبه منه بالمفهوم التركيبي الاقتراني.
و بنفس هذا المفهوم (الساذج) يطلق على اللّه سبحانه أيضا، حيث الأشياء كلّها حضور لديه، و لا يعزب عن علمه شيء.
و القرآن إنّما خاطب العرب بلغتهم، و وفق أساليبهم في التعبير و الأداء، و كان العرب إنّما يفهمون من إطلاق هذه الأوصاف على الذات المقدّسة، نفس إطلاقها على سائر الخلق، و إذ لا تفاوت في الإطلاق، فلا مجال للقول بأن إطلاقها على الذات المقدّسة يغاير إطلاقها على غيره، لتكون مجازا فيه و حقيقة فيهم.
و هكذا سائر صفات الجمال و الجلال، كان إطلاقها على الذات المقدّسة بنفس إطلاقها على غيره، نظرا لسذاجة مفاهيمها في الجميع.
فإنّ القادر من كان يقوى على أمر، أي لا يعجزه، و السميع و البصير و الخبير، من كانت الأشياء بمشهده، و هكذا. أمّا كون مبادئ هذه الأوصاف أمورا جاءت مقترنة بذات الموصوف، فهذا من تحليل العقل النظري، و ليس من المفهوم العامّ.
إذن فالمجاز و الحقيقة، بما أنّهما من شؤون الاستعمال العرفي، و لا رابط بينهما و بين أيّ تحليل عقليّ نظري، فلا مجال للتفرقة في إطلاق الصفات بين كونها وصفا