التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١ - من ذا يعلم التأويل؟
من المتشابه ما لا يعلمه أحد من الأمّة- لا النبي الكريم و لا سائر علماء الأمة جميعا- و إنّما هي لمجرّد أن تقع ألعوبة في يد المشعوذين الذين في قلوبهم زيغ، و لا رادّ لهم عن غيّهم الفظيع، ليصبحوا مطلقي السراح في إضلال الناس و الإفساد في الأرض!!
قال الراغب في مقدمة تفسيره: «و ذهب عامّة المتكلّمين إلى أنّ كلّ القرآن يجب أن يكون معلوما، و إلّا لأدّى إلى بطلان فائدة الانتفاع به، و حملوا قوله:
وَ الرَّاسِخُونَ أنّه عطف على قوله: إِلَّا اللَّهُ»[١].
و قال أبو جعفر الطبري: «إنّ جميع ما أنزل اللّه من آي القرآن على رسوله صلّى اللّه عليه و اله فإنّما أنزله عليه بيانا له و لأمّته و هدى للعالمين، و غير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه، و لا أن يكون فيه ما بهم إليه حاجة، ثمّ لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل»[٢].
قال مجاهد: «عرضت المصحف على ابن عبّاس من أوّله الى آخره، أقفه عند كلّ آية و أسأله عنها، و كان يقول: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله»[٣].
و هكذا ذهب الإمام أبو الحسن الأشعري إلى وجوب العطف، و أنّ الوقف على وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، قال: «لأنّهم يعلمون تأويل المتشابه». و قد أوضح هذا الرأي و انتصر له أبو إسحاق الشيرازي بقوله: «ليس شيء استأثر اللّه بعلمه، بل وقف العلماء عليه؛ لأنّ اللّه تعالى أورد هذا مدحا للعلماء، فلو كانوا لا يعرفون معناه لشاركوا العامّة»[٤].
و قال الإمام البيضاوي: «مدح اللّه الراسخين في العلم بجودة الذهن و حسن النظر،
[١] . مقدّمة جامع التفاسير للراغب: ٨٦.
[٢] . جامع البيان ٣: ١١٦.
[٣] . راجع تفسير المنار ٣: ١٨٢.
[٤] . راجع المباحث لصبحي الصالح: ٢٨٢.