التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٦ - حديث عجيب عن روعة بلاغة الآية!
و أمّا أنّ القرآن لو خضع لأساليب كلام العرب الدارجة، و اختار أفضلها و أجزلها و أبلغها في الإيفاء و الأداء، لهبط إلى ما دون الإعجاز .. فلعلّه من أوهن المقال في هذا المقام، فإنّ البراعة أن تفوق الناس و أنت منهم:
|
فإن تفق الأنام و أنت منهم |
فإنّ المسك بعض دم الغزال |
|
و أمّا الذي ذكره الإمام الخميني قدّس سرّه فلا يعدو تجريد المفاهيم العامّة من الألفاظ الموضوعة لمعان خاصّة، غير أنّ هذا التجريد لا يمسّ الواضع الأصل، بل و لا خطر على باله، و إلّا لوضع اللفظ بإزاء تلك المفاهيم، كما في ألفاظ العموم.
نعم هذا التجريد هو من صنع الاستعمال، تقوم به قريحة المتكلّم و براعته في الكلام، و هذا هو الذي اصطلح عليه السكّاكي بشأن الاستعارة، فجرّد من معنى المشبّه به (المستعار منه) مفهوما عامّا يشمل المشبّه (المستعار له) ليدخل في جنسه، و قد عبّر عنه السكّاكي بالحقيقة الإدّعائية، الشاملة للمشبّه و المشبّه به جميعا. و ربّما استدعى ذلك تناسي التشبيه، فيكون من أبرع الكلام[١].
و أمّا ما استند إليه ابن تيميّة، و شايعه عليه تلميذه الوفيّ ابن قيّم الجوزيّة[٢] و السلفيّون أتباعه، و كان ممّن عاصرناه الشيخ محمّد أمين الشنقيطي (ت ١٣٩٣ ه) كتب رسالة جمع فيها أقوال سلفه، و شرح دلائلهم على أصول مذهب الظاهريّين، و ليس سوى تلخيص ما ذكره ابن تيميّة في رسالة الإيمان[٣]، فإليك من دلائله:
[١] . راجع: مفتاح العلوم للسكّاكي: ١٧٤. و التمهيد ٥: ٣٨٥.
[٢] . هو محمّد بن أبي بكر الحنبلي المتوفّى سنة ٧٥١ ه، تفقّه على ابن تيميّة و كان معجبا به. ذكر صاحب الدرر الكامنة: أنّه غلب على ابن قيّم حبّ ابن تيميّة، حتّى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل يقتصر له في جميع ذلك. و هو الذي هذّب كتبه و نشر علمه. و كان له حظّ عند أمراء مصر، و اعتقل مع ابن تيميّة بالقلعة بعد أن أهين و طيف به على جمل، مضروبا بالدرّة. فلمّا مات ابن تيميّة أفرج عنه، و امتحن مرّة أخرى بسبب فتاوى ابن تيميّة.
( الكنى و الألقاب للقمّي ١: ٣٩٣).
[٣] . أورده القاسمي في تفسيره ١: ١٣٦- ١٥٧.